فهرس الكتاب

الصفحة 7875 من 27364

غزَّة وابن تيمية والنشيد الوطني الصهيوني

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والاه..أما بعد:

1)فقبل ثمانية قرون تقريبا ، مرّ العلامة المحقق أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله بغزّة ، وعقد في جامعها ( لعله العمري ) مجلسا علميا كبيرا ، فتعلق أهل غزّة به ، وسأله أميرها المنصوري أن يضع له برنامج عمل سياسي إسلامي ، فأجابه ابن تيمية رحمه الله إلى ذلك ، وحرّر له مشروعا متكاملا في هذا الشأن ، كتبه في ليلة واحدة ، وقدمه له صلاة الفجر ، واشتهر وانتشر تحت مسمى: (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) ، وهو الكتاب القيم المعروف المشهور ، الذي لا تخلو منه مكتبة طالب علم .. تذكرت هذا العالِم وقصته ، وأنا أفكِّر في ذلك الثغر الذي يحمل رقما قياسيا في الكثافة السكانية على مستوى العالم مع صغر مساحته ، وقلَّة موارده ، ومحاصرة أهله .

2)وغزة تاريخ إسلامي عريق دونه الشيخ عثمان الطباع في: إتحاف الأعزة في تاريخ غزة ، .. وغزّة هي غزّة التي عرفناها من قبل في فتوحات الفاروق رضي الله عنه ، ومرت بنا في ترجمة الإمام محمد بن إدريس الشافعي الغزي ، أحد أئمة الفقه الأربعة ، تلميذ الإمام مالك ، وشيخ الإمام أحمد رحمهم الله ..

وإنِّي لأتذكر غزّة بل فلسطين المحتلة كلّها ، كلّما قرأت أو سمعت أو تذكرت آخر سورة آل عمران ، لأنَّها جمعت خصالاً نراها رأي العين في الأسرة الفلسطينية الصابرة ، المصابرة ، المرابطة ، رجلا وطفلا وامرأة وعجوزا .. غزّة التي تكاد تتجاوز حدود المعقول في صمودها واستبسال أهلها وتضحياتهم ، بل تجاوزت حدود المألوف وقاربت تجاوز حدود المعقول ، حين نعلم أنَّ حوامل غزّة يساهمن في المقاومة بتبرعهن بنوع من الأحماض البولية الخاصة بالحوامل ، لأنها توفر لمصانع الأسلحة المحلية للمرابطين مواد أولية ليدافعوا بها عنهن !!

3)تذكرت غزّة وماضيها ، و تذكرت جميع الأراضي المحتلة في فلسطين والجولان ومزارع شبعا وغيرها ، ثم تذكرت دعوات التطبيع وما يصاحبها من جهد مأزور فيما يشبه التمهيد لتطبيع المسلم عقديا من خلال القدح الجائر والاعتداء السافر على مسلمات العقيدة الإسلامية ، ودلائل النصوص القرآنية القطعية ..

تذكرت تلك الجهود الخاسرة التي يتبنّاها كتّاب الخَوَر المهين في عالمنا العربي ، ما بين قاصد و جاهل ومستغفَل ، للنيل من عقيدة الولاء للمؤمنين وكأنّما هو جهد في تذليل الصعوبات العقدية أمام الغزاة المحتلين والصهاينة الغاصبين ، بوعي أو دون وعي لحقيقة المعركة ، التي يجسدها علناً النشيدُ الوطني للكيان الصهيوني:

"طالما في القلب تكمن .. نفس يهودية تتوق .. وللأمام نحو الشرق .. عين تنظر إلى صهيون .. أملنا لم يضع بعد .. حلم عمره ألفا سنة .. أن نكون أمّة حرّة على أرضنا .. أرض صهيون والقدس ..".

أقول هذا ، لأنَّنا وجدنا من الكتاب العرب من يتعاطف مع جندي أسره مقاومون شرعيون على أرضهم - وهو الحق الذي تكفله قواعد القانون الدولي - تحت دعاوى الحرص على الفلسطينيين ، في حين أنني سمعت بعضهم من قبل يردد جملة:"إخواننا في فلسطين !!"إخواننا في فلسطين !!"على سبيل السخرية .. مستهجنا تعاطفنا مع إخواننا المسلمين ، داعيا إلى التقوقع في ظل العولمة ونبذ الأممية زَعَم ، وعدم التدخل فيما وراء الحدود . فيا ترى هل يظن هؤلاء أنَّ الجندي اليهودي المأسور ، دون الحدود أو يعلمون أنه وراءها ؟"

4)لقد كانت صناديق الاقتراع التي نادى بها دعاة الديمقراطية امتحانا صعبا لهم .. فبعد عدد من النتائج غير المرضية لهم في عدد من البلدان ، حاولوا تدجين الأمة إعلاميا ثم طالبوا بوضع الصناديق لها مرّة بعد مرّة ، وكان مكان اختبارهم الأخير للأمة ، هو أقسى مواقع معاناتها ، فتمَّت: انتخابات المجلس التشريعي في السلطة الفلسطينية ؛ وما إن ظهرت النتائج الأولية حتى تهامس الظلمة من الإفرنج ، فلم نلبث أن سمعنا صراخ (الشرعية الدولية وحقوق الإنسان) - التي طالما يطالبون خصومهم برعايتها ، في مثل حالة الصين وكوريا الشمالية - سمعناها تصرخ في فلسطين تحت أقدام واضعيها ، وتنتهك دون قدرتهم على تبرير منطقي لما يجري منهم تجاهها ، فحوصر الشعب الفلسطيني الذي كانوا يقدّمون صورة الحرص عليه في قالب (الديمقراطية) ، وبلغ الأمر بأدعياء الديمقراطية ، والمتباكين على حقوق الإنسان ، أن يتآمروا على الشعب الفلسطيني في مناطق السلطة بمنعه من استلام أجرة عَرَق الجبين ، التي يشتري بها - وليس منها - حليب المولود ، وغذاء الطفل ، وقوت الإنسان.

لقد أزالت هذه الانتخابات ، بقايا أوراق التوت عن سوءات دعاة الشرق الأوسط الكبير ، وبصقت في وجوه المبشرين برغده وعدالته وتفوق حقوق الإنسان فيه .

لم لا ؟ ألم ير الناس كيف حوصرت حكومةٌ منتخبة في انتخابات لم يشكك أحد في نزاهتها ، مع محاولاتٍ جرت لتدارك النتيجة ولو في اللحظة الأخيرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت