أحمد خضر
احتفل العالم العربي احتفالاً بهيجاً بما يُسمى بالمجتمع المدني. ومع كل الضجة التي أثيرت وتثار حول هذا المفهوم الجديد الذي بدأ يحتل موقعه في بلادنا؛ فإنه لا يهمنا فيه إلا مسألة واحدة وهي: العلاقة بين المجتمع المدني وسلامة البناء العقدي للمجتمع.
يقتنع كثير من الناس بأن المجتمع المدني لا يخرج عن حدود هذا التعريف الذي وضعه له سعد الدين إبراهيم وهو: «مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة؛ لتحقيق مصالح أفرادها ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتآخي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف، وتشمل تنظيمات المجتمع المدني كلاًّ من: الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والأندية؛ أي: كل ما هو غير حكومي، وكل ما هو غير عائلي أو إرثي» [1] .
إن هذا المفهوم في تصورنا قاصر ومخادع، ويجب علينا أن نبحث عن أصوله وجذوره في البلاد التي نشأ فيها قبل أن يستورد منها ويصاغ في بلادنا بصورة تجعله مقبولاً.
«المجتمع المدني» مصطلح غامض ومتعدد المعاني، يمكن تطويعه في خدمة عدة أغراض؛ فهو مصطلح قادر على أن يجمع أي شيء بكل شيء، نشأ عبر تطور تاريخي طويل يحمل في طياته فروقاً وتناقضات هي السر في غموضه. وصفه بعض الناس بأنه حساء المتسولين، جمع أعقاب النظريات المختلفة، والحقب الزمانية المتعاقبة، وأنه تسمية جديدة لأحلام قديمة. وأكد بعض آخر أنه ذو تاريخ مشبوه نسي الناس بمرور الزمن أنه مجتمع الأرستقراطية، وأنه قد صيغ لاستبعاد طبقات شعبية معينة، لكنه يُقدم الآن بكثير من الزخرف ليعمِّي بريقُه عن كل ما عداه، وكأنه الحل السحري لجميع مشاكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها [2] .
ترجع الجذور اللادينية للمفهوم في الغرب إلى (توماس هوبز) الذي رأى فيه تعبيراً عن انتقال مبدأ السيادة من السماء (الحكم بالحق الإلهي) إلى الأرض (الحكم على أساس العقد الاجتماعي) ، فأدانته جامعة أكسفورد في عام 1683م؛ لأنه استخلص كل سلطة مدنية من أصل مجتمعي دنيوي ولم يسندها إلى الحق الإلهي، وجعل هذه السلطة كائناً اصطناعياً أي (إلهاً) من صنع البشر. ويعرَّف (العقد الاجتماعي) بأنه: «تجريد عقلاني مؤسس على الافتراض أن الفرد هو ذات مزودة بأداة حرة، وأن المجتمع عبارة عن تعاقد بين مثل هذه الذوات، وأن شرعية الدولة قائمة على هذا التعاقد وليس على الإرادة السماوية» [3] .
أكد الباحثون عن مفهوم المجتمع المدني في دوائر المعارف، أن كلمة (مدني) ترتبط بالمواطن، وأن أهم معانيها: غير إكليريكي أي غير لاهوتي، وبمعنى واضح تماماً: (غير ديني) [4] . أما القانون الذي تسنُّه وتفسره وتطبقه سلطات المجتمع المدني فهو القانون الطبيعي أو قانون العقل. وقوانين الطبيعة عند دعاة المجتمع المدني هي قوانين العقل الأزلية - سبحانه -]. أما (الله) عندهم فهو هذا العقل الذي يسكن القانون الطبيعي [وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُواًّ كَبِيراً (الإسراء: 43) . وعمل العقل الأساسي عندهم هو التقدير والحساب الواعي لكيفية الوصول إلى أهداف، أما التزام العقل بنظام كوني للأشياء فهذا ليس من مهامه [5] .
استقبل هذا المفهوم في الغرب بالطبول والمزمامير، وأصبح سلعة رائجة في الصناعة الأكاديمية بعد أن اهتزت مفاهيم الاشتراكية والليبرالية والديمقراطية، وبوجه خاص بعد تحدي حركة التضامن العمالية التي ضمت ملايين العمال والمثقفين للنظام في بولندا في نهاية السبعينيات، ولهذا يتحدث الباحثون عما يسمونه بالمجتمع المدني الأول: ذلك المجتمع الذي سعت إليه النخبة الأوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والمجتمع المدني الثاني: وهو المجتمع الذي تبنته في الثمانينيات بعض القوى في بلدان أوروبا الشرقية وبخاصة في بولندا و أمريكا اللاتينية ثم العالم العربي [6] .