د. سعيد بن ناصر الغامدي
مصطلح «التغيير» من المصطلحات الشائعة والرائجة في كتب الإدارة، والسلوك، وعلم النفس والسياسة وغيرها، وهو من المصطلحات المثقلة بالدلالات المتنوعة والمختلفة بل والمتناقضة أحياناً، وذلك لأنه من جنس الألفاظ اللغوية ذات الدلالات المتعددة المستويات والأبعاد، وليس من جنس اللغة الأيقونية الحرفية واحدية المستوى والبعد.
ويصبح مصطلح التغيير هذا أكثر تشعباً عند تعلقه بالظواهر الإنسانية الفكرية والعملية التطبيقية، وتزداد تشعباته ومخاطره عند تعلقه بالإنسان بوصفه مخلوقاً مربوباً، متعدد الأبعاد، متجاوزاً النظام الطبيعي المادي المجرد؛ لأنه بهذا الوصف المتفرد ينطوي على مقومات لا يمكن ردها إلى النظام المادي البحت.
وإن من أخطر ما في القضايا الراهنة المتداولة ثقافياً وإعلامياً عدم تمحيص المصطلحات ودلالاتها ومضامينها وظلالها وأبعادها.
وخاصة تلك المصطلحات المحمَّلة بجملة من الأفكار والرؤى والأهداف والغايات؛ المتشابهة أحياناً والمتناقضة أحياناً أخرى، والمتسعة اتساعاً مشوّشاً، والمركبة تركيباً «مربكاً» ؛ كما هو حال مصطلح «التغيير» الذي تحول إلى قضية تبدأ يسيرة بوصفها مطلباً من مطالب النهوض والتقدم والإصلاح، إلى أن تستحيل بعد طول إدمانها ـ عند البعض ـ إلى مذهب معتنق وأيديولوجيا متبعة، ومن المفارقات الغريبة أن تجد من (التغييريين) مَنْ يثبت على حال واحد سلوكياً وفكرياً وأخلاقياً، ويلتزم مسلكاً معيناً لا يبارحه، فلا يطبق مذهب التغيير الذي يطالب به الآخرين على نفسه!!
والإنسان بفطرته يبحث عن اليقين، أو عن قدر معقول منه إذا عجز عن الوصول إلى الحقيقة الخالصة، وأنّى له الوصول إلى الحقيقة النهائية؟ ولكنه يسعى إلى اليقين مبتعداً عن شراك العدم المطلق، أو أي درجة من درجات العدمية.
ومصطلح التغيير ـ بسبب الملابسات المذكورة آنفاً ـ استُعمل جسراً ووسيلة لتمرير أفكار معينة ورؤى محددة، وتحيزات فكرية وعملية معروفة، بل استُعمل لفرض هذه الأفكار والتحيزات بشكل خفي أو جلي، كما أنه استُعمل بصورة إيجابية، في بعض الأحيان.
ومن خلال دراسة التاريخ المعاصر؛ نجد أن مصطلح التغيير تواتر في الخطابات السياسية والثقافية منذ غزو نابليون لمصر، وإن بدأ ضعيفاً خافتاً لكنه ما لبث أن نما وتزايد ومُددت أطرافه وحواشيه في كل الاتجاهات، ويزداد حضوره كلما ألمت بالأمة ملمة، أو نزلت بها نازلة، وها هو اليوم يُطرح بالفم الأمريكي الملآن تحت ظلال البوارج والطائرات والدبابات، وعبر الآلة الإعلامية والسياسية الأمريكية الهادرة، وعبر وكلاء توزيع لهم قوة ونفوذ نوعي.
وبالطبع؛ كانت الاستجابة لهذا التحدي مختلفة باختلاف العقائد والأفكار والرؤى والانتماءات والأفهام والعلوم، وكل فرد أو طائفة يأخذ قضية التغيير مستدعياً معها التاريخ والتراث والهوية ـ للقبول أو للانتقاء أو للرفض ـ؛ بحسب المشرب والمعتقد الذي ينطوي عليه، والأفكار التي يؤمن بها.
ولعله من الممكن في هذه العجالة تصنيف مواقف الناس إزاء قضية التغيير التي تروج لها أمريكا بعد أحداث 11/9/2001م إلى أربعة مواقف:
u الموقف الأول: موقف المتقبل لقضية التغيير بالطريقة الأمريكية (الغربية) (الليبرالية) :
وهو الموقف العلماني بشقَّيه (العام الشمولي) أو (الجزئي الانتقالي) ، ومن جميع التيارات العلمانية الفكرية منها والسياسية.
فهؤلاء وجدوا في الضغط الأمريكي فرصة كبيرة لا بد من اهتبالها لإيجاد التغيير، وفق المنظومة المعيارية والرؤية الفكرية والخصائص النفسية الغربية الحديثة، والتي تفترض وجود عقل مستقل تماماً، وإنسان حر هو إله نفسه، يضع لها النظم والقوانين المناسبة له، والمحقِّقة لحريته المنفكة من جميع الصلات الدينية والأخروية، سواء على مستوى النظم والعلاقات عند من يوصفون بالاعتدال من العلمانيين، أو على جميع المستويات عند غلاة العلمانيين، وأصحاب هذا الاتجاه يرون في الإنسان بوضعه وتركيبه المادي المرجعية النهائية الأولى والأخيرة.
ومن ثم من حقه وحده أن يرسم صورة (التغيير) الذي يريد؛ وفق عقد اجتماعي معين هو في حد ذاته مرجعية نهائية مستقلة عن الدين والوحي.
ولعل من أهم تبديات هذه النزعة الإصرار على قضية (الصيرورة الدائمة) ، والتي تعني أن الحياة والأحياء والنظم والأخلاق في تغير مستمر، وفكرة الصيرورة هذه فكرة مرجعية ثابتة لدى التيار العلماني والحداثي، تظهر بشكل واضح في بعض الكتابات الأدبية والنقدية والفكرية المتطرفة، ولكنها كامنة بشكل دائم في معظم الأفكار والأطروحات العلمانية. وهي فكرة مبنية أصلاً على فرضية دارون المسماة بالانتخاب الطبيعي.