فهرس الكتاب

الصفحة 8466 من 27364

يسرني ويشرّفني أن أكون هنا مساء هذا اليوم. وأن يكون فؤاد عجمي هو الذي قدمني لأمر جيد فعلاً. فؤاد إنسان حكيم وخبير في صناعة الكلام، إذ أنه يوضح في كتبه ومقالاته وتعليقاته ما يبدو غير شفّاف في كثير من الأحيان. إنني مدين له مرّتين لأنه نقل موقع حصته الدراسية مساء هذا اليوم ليكون معنا. الواقع أنه جاء بحصته إلى هنا. وعليه، فإني أتصوّر إذاً أنه مدين لي لأنه لم يعد بحاجة إلى إعداد أي محاضرة لإلقائها في حصته. فبإمكاني القول، والحال هذه، أننا متساوون.

ويسرني أيضاً أن أتكلم في مجلس العلاقات الخارجية. أنا أشعر أنني في بيتي لأني عملت مرة في هذا المجلس. فالمجلس لا يزال مؤسسة الفكر والرأي الرئيسية في هذا الحقل. أقول ذلك بكل إخلاص لأني، عندما عملت في مكان قريب لدى مؤسسة زميلة - وقد يقول البعض إنها منافسة - كنا نقيس النجاح بعدد البحّاثة لدينا الذين يظهرون على صفحات مجلة فورين أفيرز أو يشاركون في فرق الدراسة أو فرق العمل التابعة للمجلس.

ومن دواعي سروري مساء هذا اليوم أن تسنح لي فرصة التحدث معكم حول فرص تعزيز الديمقراطية في العالم الإسلامي. فمساندة وتوسيع رقعة الديمقراطية كانت دائماً مسألة مركزية بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية. فمنذ ظهور نقاط الرئيس وودرو ويلسون الأربع عشرة إلى مشروع مارشال، رأينا في توسع الحرية والديمقراطية مصلحة قومية أساسية. وقد شجعت الولايات المتحدة، في عهد أحدث، بلداناً مختلفة مثل كوريا الجنوبية، والفيليبين، والسلفادور، وجنوب أفريقيا، وتشيلي في مراحل انتقالها إلى الديمقراطية. كما لعبنا دوراً قيادياً في تأييد انتشار الديمقراطية في بلدان أوروبا الشرقية الشيوعية سابقاً.

لا تزال الديمقراطية نقطة محورية في السياسة الأميركية اليوم. تؤكد استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة:"أن على أميركا أن تقف بحزم إلى جانب مطالب الكرامة الإنسانية غير القابلة للتفاوض: حكم القانون؛ الحدّ من السلطات المطلقة للدولة؛ حرية التعبير؛ حرية العبادة؛ المساواة في العدالة؛ احترام النساء؛ التسامح الديني والإثني؛ واحترام الملكية الخاصة."

لماذا ركزّت الولايات المتحدة بهذه الكثرة على الديمقراطية؟

ففي الدرجة الأعمق أساساً، نحن نساند الديمقراطية كمسألة مبدئية. فهي في صميم ما نحن عليه كدولة وما نمثله نحن كشعب. عند استلامه ميدالية فيلادلفيا للحرية في 4 أيار/مايو 2002، تحدث وزير الخارجية باول"عن مسؤوليتنا كمواطني أعظم ديمقراطية في العالم، في أن نضمن أن بلدنا هو قوة في خدمة الحرية حول العالم. والحقيقة أن الحقوق التي لا تنازل عنها في الحياة، أي الحرية ونشدان السعادة قد وهبها الله لكل الجنس البشري. فهي ملك كل رجل وامرأة وولد على وجه الأرض."وسوف تساعد الولايات المتحدة الدول الأخرى في تحقيق هذه الطموحات الأساسية لأنها كونية. فهذه القيم ليست مجرد نمط حياة تعتقد أميركا أن من واجبها تصديره.

وثمة أيضاً أسباب عملية تدعو الولايات المتحدة إلى تعزيز الديمقراطية في الخارج، للدلالة على أن الواقعية والمثالية يمكنهما التكامل. فبكل بساطة، سوف نزدهر أكثر كشعب وكدولة في عالم من الديمقراطيات بدلاً من عالم من الأنظمة الاستبدادية والفوضوية.

العالم الديمقراطي هو عالم مسالم أكثر. فنمط الديمقراطيات المتأصلة التي لا تتحارب مع بعضها البعض هو أحد أهم النتائج التي أمكن إثباتها في دراسات العلاقات الدولية. هذا لا يعني أنه لا يمكن أن تكون لنا مصالح متشابكة وتعاون مثمر مع بلدان غير ديمقراطية، كما لا يعني أنه لن تكون هناك خلافات قوية في وجهات النظر مع الديمقراطيات الزميلة. لكن كلما ازداد عدد الديمقراطيات في العالم، كلما اتسعت المناطق في العالم التي من المحتمل أن تسعى دولها إلى حل خلافاتها بالطرق الدبلوماسية.

نحن نرى هذا بكل وضوح في أوروبا. اليوم، وعلى الرغم من تاريخ طويل من الحروب الوحشية التي بلغت ذروتها في حربين عالميتين ذات كلفة بشرية هائلة، لم تعد الديمقراطيات الأوروبية تفكر بمحاربة بعضها البعض. على العكس، يكرس الأوروبيون جهودهم لأجل تحقيق تكامل أكبر. لقد دخلت ألمانيا وفرنسا في حرب ثلاث مرات بين 1870 و1940. واليوم، عندما يقوم خلاف بين فرنسا الديمقراطية وألمانيا الديمقراطية، تتفاوضان بشأنه حول طاولة مؤتمر، وليس في ساحة القتال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت