كل حضارة نالها جانب من هداية الله
إنه لا بد أن نأخذ في الاعتبار، ونحن ندرس التأثيرات الحضارية بصفة عامة والتأثيرات التشريعية بصفة خاصة، أنه لم يخلُ فكر أمة من بقايا من هداية الله تبارك وتعالى. يؤكد هذا ويؤيده قوله تعالى:"وإن من أمة إلا خلا فيها نذير" (سورة فاطر، الآية: 24) ، وقوله عز من قائل:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" (سورة الشورى، الآية: 13) ، وقوله تعالى:"رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" (سورة البقرة، الآية: 123) .
ومن ثم فإن طرفًا من هذه الهداية يظل مؤثرًا بصورة حقيقية في فكر كل أمة، فمهما تنحرف أمة من الأمم عن جادة الهداية، يبقَ طرف منها. وعادة فإن هدايات الله تتشابه بين الأمم، خاصة في جانبي العقيدة والتشريع، فقد يكون من مواطن التشابه بين الحضارات ما كان راجعًا إلى أصل هداية الله وليس إلى جهود البشر. يقول تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه..." (سورة البقرة، الآية: 213) .
ولذا وجب التطامن والتواضع لله تعالى، والتخفف من ادعاء العبقرية الفكرية والتشريعية لأمة ما، فالفضل ظاهر لله تعالى فيما يرسله إلينا من هدايات تترى تأخذ بأيدينا نحو الصواب.