فهرس الكتاب

الصفحة 10704 من 27364

الإسلام و الغرب > عداء الغرب للإسلام والمسلمين ليس وهماً >

"لقد عادت روسيا بوجهها القبيح مرة أخرى... إنها تنفض الغبار عن تاريخها الأسود مع مسلمي البلقان.. فماذا نحن فاعلون؟"بهذه العبارة ختم الكاتب المتميّز الدكتور عبد الواحد الحميد مقالته في صحيفة عكاظ يوم السبت الموافق 15 رجب 1415هـ (العدد10358)

أثارت هذه المقالة الأستاذ عبد الله أبو السمح فكتب بعد أربعة أيام في زاويته (رأي آخر) بعنوان"غارة وهمية" (عكاظ عدد10362) صبّ فيه جام غضبه على الكتاّب لتوهمهم بأن هناك"غارة"على العالم الإسلامي من دول"الكفر"لإخراجهم من ديارهم أو من دينهم أو من الاثنين معا، ولا شك أن ذلك وهم كبير وخطأ فادح، فلا أحد يعادي المسلمين إلاّ المسلمون أنفسهم، وعدو للمسلمين إلاّ جهلهم وتخلفهم ونزعاتهم الضيقة."وصرّح أبو السمح بأن سبب العداء"ليس لكونهم مسلمين، ولكن بصفتهم السياسية ..دولة أو تشكيلا أو أقلية، لذلك إذا أردنا أن نتعاطف معهم فلا أقل من أن نعرف سبب المشكلة وأصلها لا أن نثير عواطف الناس بادعاءات وافتراضات تتعارض مع الحق والواجب.""

فهل صحيح أن عداء الغرب للإسلام والمسلمين وهم وليس حقيقة؟ وهل صحيح أن عداء الغرب إنما هو لأهداف سياسية، وأن الحديث عن العداء للإسلام ما هو إلاّ ادّعاء وافتراض يتعارض مع الحق والواجب؟

أعتذر أولاً أنني لم أتشرف بمعرفة الأستاذ عبد الله أبو السمح وخلفيته الثقافية والعلمية، وإن كانت مقالته هذه ومقالته الأخرى التي انتقد فيها الفلسطينيين الذين يعترضون على مسيرة السلام في بلادهم تنبي عن خلفية معينة جعلته يقف هذا الموقف الذي لا يحسد عليه.

وأحب أن أؤكد ابتداءً أنني لا أنتصر للدكتور عبد الواحد الحميد أو الكتّاب الذين يتحدثون عن عداء الغرب للإسلام والمسلمين (وأنا واحد منهم) ، فليس يجمعني بالدكتور عبد الواحد الحميد من صلة سوى مكالمة هاتفية رغبة في الإفادة من مصادر المعلومات التي يستخدمها في إعداد مقالاته. ولكني تخصصت في دراسة الاستشراق، وأمضيت من عمري سنين أبحث في مواقف الغرب من الإسلام والمسلمين ، لذلك أجد واجباً عليّ أن أتحدث في هذا الموضوع .

من أين نبدأ بالحديث عن عداء الغرب للإسلام والمسلمين؟ لنبدأ من عصورهم الوسطى، وعصور الازدهار الإسلامي، تلك العصور التي خرج فيها بطرس الناسك (وللنصارى بطرس معاصر) يحرّض النصارى على حرب المسلمين واسترداد بيت المقدس من أيديهم، وكان هذا بتأييد البابا في الفاتيكان. وكانت الحروب الصليبية التي شغلت العالم الإسلامي قرابة قرنين من الزمان، عادت منها أوروبا بمعرفة أصول نهضة المسلمين، فأفادوا من ذلك وعاد المسلمون إلى النوم والسبات أو مداواة آثار تلك الحروب الطويلة. ومع ذلك فقد كان ظهور الدولة العثمانية نصراً للإسلام والمسلمين طوال حياة هذه الدولة.

ونهضت أوروبا في جميع المجالات، وأفادت من تراث المسلمين، وكان رد الجميل أن امتلأت مكتبات أوروبا بمئات أو ألوف المؤلفات التي تقطر حقداً على الإسلام والمسلمين حتى أصبح الأوروبيون يتوارثون العداء لنا ليس من خلال تراثهم الفكري فقط بل أكاد أجزم أنه دخل في تركيب جيناتهم (مورثاتهم) ، وعندما أراد الأوروبيون تغيير خطتهم في حرب الإسلام والمسلمين كتب بعضهم كتباً ينتقدون فيها أجدادهم أو الحقد الأوروبي الذي كانت الكنيسة رائدته ومن أمثلة هذه الكتب كتاب ريتشارد سوذرن صورة الإسلام في العصور الوسطى، وكتاب نورمان دانيال الإسلام والغرب:صناعة الصورة.

ولم تتناول هذه الكتابات إلاّ جانبا واحداً من علاقة المسلمين بالنصارى أو بالغرب ويقول في ذلك الدكتور رضوان السيد- الذي ترجم الكتاب الأول-:"لكن الوجوه الأخرى لعلاقة الحضارة الإسلامية بالغرب على المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بقيت بمنأى عن المعالجة". ولو نجحت هذه الكتابات حقا لما ظل الحقد والعداء يسيطر على كتابات كثير من الغربيين حتى هذه الساعة.

وهذه فرنسا ما كادت تنجح ثورتها المشهورة (التي عدت من الثورات الكبرى في تاريخ البشرية) وأعلنت مبادئ حقوق الإنسان الذي يفتخر به الغرب حتى نقضت هذه الحقوق بالنسبة للمسلمين، ويقول في ذلك عصمت سيف الدولة في محاضرة له حول الإسلام وحقوق الإنسان (رضوان السيد ،الفكر الإسلامي المعاصر وحقوق الإنسان-الحياة 21ديسمبر1994) :"حتى عرفنا من واقع تاريخنا كيف تتحول الكلمات الكبيرة النبيلة إلى كبائر، فنحن لا نستطيع أن ننسى أن أصحاب إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي هم الذين لم يلبثوا - قبل أن يجف حبر إعلانهم - أن أعدّوا العدة وأرسلوا قواتهم بقيادة فتاهم نابليون لاحتلال مصر."فهل هذا التاريخ وهم أو حقيقة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت