فهرس الكتاب

الصفحة 3459 من 27364

عبد الرحمن سعيد

يشير مصطلح"العولمة"في جانبه الاقتصادي إلى"تحرُّر العلاقات الاقتصادية القائمة بين الدول من السياسات والمؤسسات القومية والاتفاقيات المنظِّمة لها، وذلك بخضوعها التلقائي لقُوى جديدة أفرزتها التطورات التقنية والاقتصادية، وتعيد هذه القوى الجديدة تشكيل وتنظيم العلاقات الاقتصادية بشكل طبيعي على مستوى العالم كله باعتباره وحدة واحدة"، وهناك شبه اتفاق على أن"العولمة"تستند على خمس ركائز أساسية هي:

1-حرية الاستثمار في أي مكان في العالم، أي حرية رأس المال الخاص في الحركة دون أي عوائق تحول دون حركته.

2-حرية إقامة الصناعة في أنسب الأماكن لها في العالم بغض النظر عن الجنسية أو السياسة القومية لأي دولة.

3-عالمية الاتصالات التي ترتبت على تطور تقنيات وصناعة الأقمار الصناعية.

4-عالمية المعلومات التي ترتبت على تطور تقنيات وصناعة الحاسبات الآلية جنباً إلى جنب مع تقنيات وصناعة الأقمار الصناعية.

5-عالمية النمط الاستهلاكي وحرية المستهلك في الشراء من المصدر الذي يختاره في العالم.

وكما تشير الركائز التي تقوم عليها"العولمة"فإن الشركات متعددة الجنسيات تمثل القاطرة التي تقود قطار العولمة، وهي شركات عملاقة تتعدى حدود الدول بحيث تنتشر استثماراتها وعملياتها الاقتصادية والتجارية على مستوى العالم كله، وتمثل هذه الشركات العملاقة قمة التطور الرأسمالي الغربي، وتتسم هذه الشركات العملاقة بحجم مبيعاتها الضخم، فمثلاً شركة"ميتسوبيشي"اليابانية بلغ حجم مبيعاتها عام 1995 مبلغاً قدره 184. 4 مليار دولار، ويشير تقرير الاستثمار العالمي لعام 1995 أن عدد الشركات متعددة الجنسيات في العالم يبلغ 37 ألف شركة تعمل من خلال 200 ألف فرع وبلغ رصيد استثماراتها 2. 7 تريليون دولار عام 1995 مقابل استثمار قدره 370 بليون دولار عام 1978، يستحوذ على 50% من رصيد هذه الاستثمارات مائة شركة عالمية، وهذه الشركات متعددة الجنسيات مسئولة عن ثلثي الإنتاج العالمي، وتمتلك 75% من الطاقة العالمية للبحث والتطوير، وتستخدم 73 مليون عامل يمثلون 10% من حجم الاستخدام العالمي، أي أن القوة التي تروج للعولمة هي قوة اقتصادية جبارة تريد أن تجعل من العالم كله مجالاً مفتوحاً لأنشطتها بلا أي قيود أو عوائق من أي نوع كانت، وتستعين هذه الشركات العملاقة متعددة الجنسية بهيئات ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة العاملة في ميادين التنمية والثقافة وأجهزة الاستخبارات في الدول الكبرى، ومختلف وسائل التأثير في الرأي العام مثل الصحف والمجلات السيارة وشبكات التلفاز والمؤسسات المانحة للجوائز الدولية المهمة أو المشتغلة بحقوق الإنسان كما أنها لا تدخر وسعاً في تجنيد الكُتَّاب والمفكرين الذين يروجون لأفكار العولمة والكونية.

وبالإضافة إلى الشركات متعددة الجنسيات تأتي ثمار ثورة التقنية خاصة فيما يتصل بالمعلومات والاتصالات بحيث يمكن للمرء وهو في أي مكان في العالم أن يتصل بأي مكان آخر وأن يحصل على ما يريد من معلومات، وشبكات"الإنترنت"- الخط السريع الدولي للمعلومات - تمثل أكبر شاهد على ذلك، ولم يعد التبادل بين البشر أو الدول قاصراً فقط على السلع ورؤوس الأموال بل امتد ليشمل الأفكار والمعلومات، وأصبحت الأفكار والمعلومات هي العنصر الأهم والغالب في العلاقات الإنسانية، ولم يعد استيراد القيم أو الأفكار مرتبطاً بحجم التجارة أو حجم تدفق الأشخاص أو رؤوس الأموال بل أصبح استيراداً مباشراً عن طريق الاتصال بمصدر هذه الأفكار والقيم، وكما هو واضح من السياق السابق فإن العولمة تدعو للحرية الاقتصادية بمعناها الواسع بعيداً عن أي قيود أو سلطة، ومن ثم فإنها تبدو وكأنها المرادف - على المستوى الاقتصادي - لمقولة"فرانسيس فوكاياما"الشهيرة"نهاية التاريخ"وما ارتبط بها من مقولات أخرى مثل"نهاية الأيديولوجيا"وتحوُّل الإنسان إلى حيوان اقتصادي لا يتحكم في سلوكه سوى غرائزه المادية المتصلة بالإنتاج والاستهلاك، أي أن العولمة هي تعبير عن نمط جديد للحياة هو ذلك الذي صمد واستمر وهو نمط الحياة الرأسمالية الغربية، ومسألة الإلحاح الدائم مع فكرة"العولمة"يفرض ضرورتها لأنها الموجة الجديدة التي تكتسح العالم ولا يصح لأحد أن يتخلف عن ركوبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت