فهرس الكتاب

الصفحة 3460 من 27364

إن العولمة تهدف إلى أن يصبح العالم سوقاً تحكمها قواعد الربح والاحتكار والمنافسة بينما يصبح الإنسان جزءاً من هذه السوق الكبيرة لا تسيِّره هو الآخر سوى قواعد البيع والشراء والمكسب والخسارة، ومن ثم يتم نزع أهم ما في الإنسان، وهو هويته وثقافته ودينه وكرامته وانتماؤه وولاؤه وبراؤه، وفي الواقع فإن هذا المفهوم"العولمة"لا يمكن أن يكون محايداً ولكنه يستبطن ترويجاً لأفكار قُوى رأس المال الجبارة الغاشمة، والتي تريد تفكيك مجتمعات العالم الإسلامي على المستوى السياسي والثقافي لصالح الشركات متعددة الجنسيات، على المستوى السياسي بضرب قوة الدولة في العالم الإسلامي وتحويلها إلى ما يطلق عليه"الدولة الرخوة"أي التي تقل سيطرتها على مقدرات أوطانها، وعلى المستوى الثقافي بضرب ثقافة المجتمعات الإسلامية والترويج لنمط الحياة الغربي عبر دعاوى حرية المرأة، وحرية الرأي، وحقوق الإنسان والأقليات.

إن قوى العولمة تقوم بعمليتين متناقضتين في آن واحد: فهي تسعى إلى تكتل قوى رأسمالية على المستوى الكوني حتى يمكن تعميق سيطرة هذه القوى وهيمنتها، وفي نفس الوقت هي تسعى إلى تفكيك مصادر التوجيه والضبط والوعي في العالم الإسلامي عبر أنماط بديلة تخدم أهداف القوى الرأسمالية الغربية، ومن المثير أن"العولمة"تم التعبير عنها في العالم العربي بمصطلح"الشرق أوسطية"، حيث يصبح الاقتصاد ورأس المال ومشاريع التنمية هي أدوات حل الصراع بين العالم العربي والكيان الصهيوني، حيث يمكن أن يوجد إنسان جديد في المنطقة هو"الإنسان الشرق أوسطي"الذي لا يهدف إلا إلى تحقيق مصلحته باعتبارها جوهر العقلانية والعلمية، ومن ثم فإن هذا الإنسان لن يشعر بأي حرج في أن يبحث عن مصلحته عند الصهيوني واليهودي فيؤْثِره على أخيه المسلم إذا لم يكن لدى أخيه نفس المصلحة أو كانت لديه لكنها أقل، ومن ثم فإن"العولمة"لها منطقها الذي تروج له وقواعدها التي لا تقاوَم، وهذه القواعد تستبعد أن يكون"للإسلام"- باعتباره المرجعية العامة والحاكمة للسلوك الإسلامي على مستوى الأفراد والجماعات والحكومات - دخْل في ضبط ما يتنافى مع أحكامه مما تأتي به العولمة، فمثلاً هل المسلمون يرحبون بكل أشكال الاستثمار الأجنبي بصرف النظر عن طبيعة الأنشطة التي يوجَّه إليها هذا الاستثمار؟، فالتركيز على قطاع السياحة وما يرتبط به من نوادٍ للقمار وفنادق تستورد الخمور وتنشط فيها حفلات الرقص الماجنة سوف يتم رفضه، وهل المسلمون يرحبون بالاستثمارات الأجنبية في قطاع الصناعة حين تجذب عناصر الإنتاج المحلية لإنتاج سلعة ترفية كالسيارات الفارهة ومساحيق التجميل والعطور بدلاً من إنتاج سلع ضرورية أو حاجية عليها طلب عام من أصحاب الدخول المنخفضة أو المتوسطة؟، كما قد يقرر أصحاب الاستثمارات الأجنبية سحبها خاصة لو كانت استثمارات ضخمة في محافظ الأوراق المالية وهو ما قد يؤدي إلى انهيار مفاجئ في البورصات كما حدث في اقتصاديات دول جنوب شرق آسيا، كما أن حرية رأس المال وعولمة الاستثمار قد تدفع رؤوس أموال إسلامية صافية إلى أن تتجه إلى خارج العالم الإسلامي في الدول المتقدمة، وتشير الإحصائيات إلى أن تدفقات الاستثمارات الأجنبية إلى البلدان المتقدمة أضعاف تدفقاتها إلى البلدان النامية، وأكدت إحصائية أن ما يمتلكه المصريون من أسهم في أوروبا وأمريكا يزيد عن المائة مليار دولار، وتشير التقديرات إلى أن الفوائض المالية للدول العربية والإسلامية المودعة في مصارف أمريكا والدول الغربية تبلغ 800 مليار دولار، وهذا يؤكد غياب الوعي الإسلامي والتضحية بمصالح البلدان الإسلامية من أجل مصالح مادية بحتة لمن يملكون هذه الأموال، وهنا تثور قضية مَن الذي يستخدم الأموال المسلمة في العالم الغربي، وفي أي المجالات يتم استخدامها؟، وألا يمكن أن تقع هذه الأموال في أيدي أعداء الإسلام والمسلمين من المحاربين كاليهود أو الصرب مثلاً، ومن هنا فإن الحضور الإسلامي كجزء من وعي المسلم وهويته - يمثل أحد الحقوق الأساسية التي يواجه بها العالم الإسلامي مخاطر العولمة.

وبالنسبة للحديث عن المستهلك العالمي - باعتباره أحد الركائز التي تستند إليها العولمة - فإن المستهلك يمكن تلبية طلباته في أي مكان في العالم بسبب سرعة وسائل الاتصال، وبسبب تحرر التجارة من القيود الحمائية وسهولة قيامه بالتحويلات المصرفية عبر الشبكة المصرفية التي تعتمد على شبكة الاتصال العالمية، وفي الواقع فإن زيادة كفاءة عناصر الإنتاج لابد وأن تتجه إلى تحقيق رفاهية المستهلك، بيد أن التفاوت الهائل في مستويات المعيشة بين المستهلك في بلجيكا أو سويسرا وبين المستهلك في سيراليون يجعل من مقولة المستهلك العالمي هذه أكذوبة كبرى إلا إذا كان يقصد به المستهلك الغربي، فمتوسط دخل المواطن في سيراليون يبلغ 180 دولاراً، بينما يبلغ متوسط دخل المواطن في اليابان 30000 دولار وفي سويسرا 40. 630 دولار وفي أمريكا000 27 دولار.

اقتصاد العالم الإسلامي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت