فهرس الكتاب

الصفحة 7809 من 27364

معالجات المسألة الثقافيّة بين قرنين

غازي التوبة 9/6/1427

زاد الاهتمام بالمسألة الثقافية بعد أحداث 11 سبتمبر2001م، وتكرّر الحديث عن ضرورة إحداث تغييرات ثقافية واسعة في منطقتنا العربية في القرن الحادي والعشرين، وطرحت أمريكا من أجل تحقيق تلك الغاية"مبادرة الشراكة الأمريكية-الشرق الأوسطية"في 12/12/2003م على يد كولن باول وزير الخارجية الأمريكية آنذاك، كما طرح جورج بوش رئيس الولايات المتحدة"مشروع الشرق الأوسط الكبير"الذي ناقشته ووافقت على تبنّيه الدول الصناعية الكبرى الثماني في حزيران (يونيو) من عام 2004م، وقد تضمّن المشروعان السابقان الصادران عن مؤسّسات أمريكية ودولية توجّهات نحو إحداث تغيير في كل تفريعات المسألة الثقافية في منطقتنا من مناهج، وإعلام، ولغات، وطرق تربية، ومدارس، وخطاب ديني الخ...، واستهدف المشروعان إقامة ورش عمل للتدريب على العمل الديموقراطي، والممارسات الانتخابية والنقابية الخ...، واعتمد المشروعان تعميم ثقافة حقوق الإنسان، وحرية المرأة، والمبادئ الديموقراطية الخ...، ورصد المشروعان مبالغ مالية من أجل الإنفاق على مراكز التدريب والتعليم والورش والمؤتمرات والدعاية المرتبطة بهما.

والسؤال الآن: هل الاهتمام بالمسألة الثقافية أمر جديد على المنطقة؟ الجواب: لا، بل هو قديم منذ القرن التاسع عشر، فقد اهتم رفاعة رافع الطهطاوي وهو أول مَعْلَم من معالم النهضة بالمسألة الثقافية، وربما كانت المسألة الثقافية اهتمامه الأول، فقد كتب رسالته المشهورة"المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين"في صدد الحديث عن التعليم والتربية والمدارس، كما أنشأ داراً للترجمة من أجل نقل جانب من التراث الفرنسي الذي اطلع عليه أثناء مرافقته للبعثة المصرية خلال إقامته في فرنسا.

وأكّدت سيرة محمد عبده (ت 1905م) أبرز رموز النهضة أيضاً الاهتمام بالمسألة الثقافية، فقد كتب مذكّرتين في إصلاح التعليم قدّم إحداهما إلى شيخ الإسلام في استنبول، والثانية إلى اللورد كرومر في مصر، وكتب رسالة في إصلاح الأزهر تناولت المدرسين ونظام التدريس والامتحان وكتب التدريس ورواتب المدرّسين الخ...، وقدّم هذه الرسالة إلى مجلس إدارة الأزهر الذي أصبح عضواً فيه، وكتب مذكّرة في إصلاح المحاكم الشرعية، كما وضع لائحة لإصلاح المساجد وقدّمها إلى مجلس الأوقاف لإقرارها والعمل بها، وأنشأ جمعية إحياء الكتب العربية افتتحها بطباعة كتاب"المخصص"لابن سيده الخ... وألّف محمد عبده كتباً عالجت مختلف النواحي الثقافية والدينية، فألّف"رسالة التوحيد"التي عالجت الجانب العقائدي في تراث الأمّة، كما ألّف"تفسير المنار"الذي عالج التقريب بين الغيب الديني والمادية الغربية الخ...

ثم زاد الاهتمام بالمسألة الثقافية بعد الحرب العالمية الأولى إثر التغييرات الكبيرة التي مرّ بها العالم العربي، ويمكن أن نمثّل على ذلك بطه حسين الذي ألّف كتاباً خاصاً عن الثقافة إثر إعلان استقلال مصر عام 1936م، سمّاه"مستقبل الثقافة في مصر"وقد تحدّث في هذا الكتاب عن التعليم، واللغات الأجنبية، وواجبات المعلّم، وواجبات الدولة تجاه المعلّم، والأزهر، واللغة العربية، والعلوم الدينية الخ...، ثم استلم طه حسين وزارة المعارف في يناير عام 1950م، واستمرّ وزيراً إلى يناير عام 1952م، وكانت فرصة لتطبيق رؤاه الثقافية، وبالفعل من أشهر أفعاله أثناء تولّيه الوزارة، حرصه على تعميم التعليم وتوسيع دائرة المتعلّمين، وإطلاق مقولته المشهورة حيث قال:"التعليم يجب أن يكون بالنسبة للمصري كالماء والهواء".

خلاصة القول: إنّ الاهتمام بالمسألة الثقافية قديم، وقد ساهم في طرح مشاكلها ووضع الحلول لها كل رموز النهضة، ومع ذلك فإنّ النتائج كانت مخيّبة للآمال على مستوى العالم العربي: أُمّية متفشّية بلغت (70) مليوناً في العالم العربي، عدد الاختراعات والابتكارات محدود، المراكز البحثية محدودة، الكتب المترجمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية قليلة بالمقارنة مع ترجمات دولة كاليونان، الكتب المؤلّفة قليلة بالمقارنة بالكتب المؤلّفة في دولة مثل إسرائيل الخ...

لماذا جاءت النتائج بهذه الصورة مع الاهتمام الواسع المستمرّ بالمسألة الثقافية خلال القرن الماضي؟ لا يكمن النقص والخطأ في الاهتمام بالمسألة الثقافية ومعالجته، ولكن يكمن الخطأ في رؤية الواقع البشري والاجتماعي والنفسي والعقلي المرتبط بالمسألة الثقافية، والإجابة الخاطئة عن أسئلة من مثل: من هو الإنسان الذي نتّجه إليه لمعالجة مشكلته الثقافية؟ ومن هو المجتمع الذي نخاطبه؟ وسنأخذ مثالاً على ذلك طه حسين وكتابه الذي استشهدنا به من قبل وهو"مستقبل الثقافة في مصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت