د. محمد يحيى
تروّج الدعاية العلمانية لعملية الفصل التام بين الدين والدولة أو الدين والقانون أو الدين والحكم أو الدين والسياسة أو الدين وأي مجال آخر من مجالات المجتمع [العلم، التعليم، الثقافة، الفن، السلوكيات] وكأن هذا الفصل والإقصاء سوف يحل كل المشكلات التي تعاني منها المجتمعات [أياً كانت تلك المشكلات] وسوف يحقق النهضة والتقدم والرخاء. وهذا الشعار العلماني الموجز الذي رفع [العلمانية هي الحل] في مواجهة شعار الإسلام هو الحل يضم بين ثناياه أكاذيب عديدة لا يجرؤ العلمانيون على مناقشتها والسماح بفضحها تماماً كما يتهمون هم شعار الإسلام بالتهافت والغموض وانعدام المعنى. ولا يكاد المحلل يجد نهاية لأوجه التخبط في هذا الطرح العلماني. ولعل أبرزها هو الفصل المدعو إليه بين الدين والدولة. فأصل هذا الشعار في أوروبا، حيث مهد العلمانية، هو الفصل بين الكنيسة والدولة داخل الدولة القومية الأوروبية وهي في ذلك الوقت دولة مسيحية ليس فقط بحكم الأغلبية شبه التامة من السكان ولكن كذلك بحكم إيمان جزء كبير من تلك الغالبية بالعقيدة المسيحية وهو ما أخذ يتآكل إلى درجات بعيدة بعد تمكن العلمانية. ومفهوم الكنيسة كذلك في هذه المقولة العلمانية الأشهر يحتاج إلى توكيد عند مناقشة المقولة. فهي أولاً المؤسسة الدينية المسيحية الحقيقية التي لا يوجد لها نظير في الإسلام أو بالأصح في التاريخ والممارسة الإسلامية. وهي في التاريخ الأوروبي والغربي الحديث مؤسسة تعددت ما بين كاثوليكية بروتستانتية ثم عدة كنائس بروتستانتية ثم وفرة من الكنائس البروتستانتية في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية أو أرثوذكسية ذات عدة تنظيمات في شرق أوروبا.
والكنيسة والكهنوت ذات وضع أصيل في الدين والعقيدة المسيحية على تعدد مذاهبها. فلا غنى للمسيحي عنها إن أراد أن يقيم أركان دينه حتى لو كان من البروتستانت الذين يتعاملون مع الكتاب المقدّس تعاملاً مباشراً بدون وساطة تفسير الكاهن والكنيسة ذلك لأن إقامة الأسرار الدينية من تعميد وزواج واعتراف [وهو غير موجود في العديد من الكنائس البروتستانتية] ودفن تتطلب القس، والأهم من ذلك وبصرف النظر عن الأسرار والطقوس ووساطة الكاهن أو تفسيرات للكتب المقدسة والتعاليم الدينية فإن الكنيسة تعتبر بمثابة التجسيد الحي الذي لا بديل عنه للعقيدة والدين والأمة والمجتمع المسيحي أيا كان مذهبه. وهي التجسيد المادي المؤسس لهذا الواقع مدعومة بقاعدة مادية مؤسسية مجتمعية من الأبنية والهيئات والتنظيم الهرمي للكهنوت. وهذه النقطة الأخيرة من مادية ومؤسسية الوجود الكنسي حاسمة في الموضوع بأسره.