فهرس الكتاب

الصفحة 5793 من 27364

بسم الله والحمد لله ونصلي على رسول الله . أما بعد - ظهرت حركة التغريب مع قدوم المصري رفاعة الطهطاوي من باريس عام 1831 م وتأليفه كتاب ' تلخيص الإبريز في تلخيص باريز ' ، ثم تبعه في الشام عبد الرحمن الكواكبي وما وضعه في كتابه ' طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد 'مع العلم أن كثيراً من المفكرين لا يجعلون الأخير في صف الأول .

ثم توالت بعدهم كتابات المستغربين وما عرف بالعلمانيين ، وكان المستعمر الغربي قد أخذ دروساً من حملاته الصليبية السابقة ، وكيف أنها لم تولد إلا ناراً جهادية تستعر في قلوب المسلمين جعلت خيول الرحمن تدك بلاد أوروبا طولاً وعرضاً ؛ حتى ولدت فكرة القائد الأوروبي المشهور نابليون باستبدال الاحتلال العسكري بالاستعمار الفكري ، وكم كانت الفكرة في بدايتها مضحكة لكثير من قادة أوروبا ولكن سرعان ما تبين لهم كم كانت هذه الفكرة هي هدفهم المنشود من قرون لهذا أراد ذلك المستعمر أن يكون استعماره لبلاد المسلمين استعماراً عسكرياً يهيئ للاستعمار الأكبر وهو الاستعمار الفكري ؛ حتى إذا خرجت جيوشهم من بلادنا بقيت أفكارهم في عقولنا .

وعندما خرجت الوفود الطلابية إلى بلاد الغرب حيث كانت هناك تُقْتَل الفِطَر وتُغْسَل الأدمغة استقبلتها بلدان المستعمر استقبالاً حافلاً ، والغريب وليس بغريب على المستعمر أن أول تلك المجموعات التعليمية التي انطلقت لبلاد الغرب ذهبت في تخصصات تربوية وليست علمية مما يعني اعتناء المستعمر بهذا الباب الخطير ، وفي بداية الأمر ظهرت بعض الاحتجاجات هناك بسبب فتح أبواب المعرفة للمسلمين وهم الذين كسروا شوكة أهل هذه البلاد ؛ ولكن خبثاءهم عرفوا أن إحضار شباب المسلمين ونزعهم من بيئتهم الإسلامية ووضعهم في بيئة نصرانية علمانية ، ثم تغذية عقولهم بالشبهات ، وإشباع قلوبهم بالشهوات هو الطريق الصحيح لبقائهم في بلدان المسلمين ، وكان لابد من تعبئة تلك المجموعات بأن لها هدفاً سامياً يجب أن يبذلوا فيه جهدهم وحياتهم في بلاد المسلمين ، وفعلاً رجعت تلك الوفود بعد سنوات التّغَرب الاجتماعي ، والأهم من هذا التغرب الفكري .

وكان المستعمر حريصاً على استخدام سياسة التلميع لهؤلاء ، ولا مانع في بعض الأحيان أن يصورهم أنهم هم أهل الانتفاضة ضد الاستعمار ، وكم رأى الناس جيوش الاستعمار وفرائصها ترتعد كذباً من ذلك المستغرب الصنم ويظهرون للناس زوراً خوفهم من أهل هذا الفكر لأنه هو الذي سيطرد المستعمر بزعمهم ، وإذا خرج ربيب من ربائبهم في مظاهرة لا يتجاوز عددها العشرات بثوا بين الناس ضخامة تلك المظاهرة ، وجعلوا عددها يتجاوز الآلاف ، ثم يحكون للناس ما قام به ذلك العميل المستغرب من بطولات في تلك المظاهرة ، وكيف أنه تصدى لجيوش المستعمر بصدره العاري ، والعجيب أنه إذا قام أحد المصلحين بانتفاضة أو مظاهرة سلمية فإن الرصاص والقتل سيكون مصيره ، ثم سمحوا لهؤلاء العملاء العلمانيين بفتح الصحف والمجلات سراً ، ويغضون الطرف عنهم محاولين إيهام الناس بجنونهم في البحث عن صاحب الجريدة ، ويصدرون الأوامر باعتقاله أو قتله ، ويدعون اختفاءه ، والحقيقة أن بطلهم يأكل في بيته من النعم الوافرة التي أرسلها له سيده المستعمر ، وبالتالي يزداد تعلق قلوب الناس بهم ، ويزداد كل يوم شغف الأمة بهؤلاء المضحين زوراً حتى إذا علم العدو بتملك حب هؤلاء العلمانيين قلوب الناس جعلوا لهم انتفاضات كاذبة على المستعمر ، حتى يسير الشعب خلف هؤلاء العلمانيين ، وينادي بحياتهم ، وعندما تأتي ساعة الصفر يخرج المستعمر ، ويصعد البطل على المنصة لتتم مراسم التتويج ، ولتبدأ أسوأ حلقات المسلسل على شريعة الإسلام وأهلها .

ومازال هؤلاء العلمانيون بالناس حتى أكلوهم بمعسول الكلام ، وطلبوا منهم أن لا يتعجلوا الثمرة ، وأن البناء بعد التحرير يحتاج إلى وقت طويل ، وفي هذه الأثناء بدءوا مشروعهم الحضاري كما زعموا فنشروا أفكارهم بين الناس ؛ وأسرعوا الوتيرة في الفساد والإفساد وإبعاد الناس عن منبع الهداية ، ثم سيطروا على موجهات العقل البشري وعلى رأسها الإعلام والتعليم ، حتى غُرِّبَت أمتنا وبَعُدَت عن منبعها الصافي ، ومازالت حشودهم تتعاقب على كل باب فيه هدم للشريعة المحمدية .

وكم كان أسفنا عظيماً ونحن نرى هذه الفئة القليلة وهي تعبث بمقدرات وكرامات الأمة حتى جعلونا أذلة في مؤخرة الركب باسم التحضر والتمدن والحقيقة أنا لم نجد منذ أكثر من قرن ونصف أي كتاب أو بحث مستقل يناقش قضية طرق محاربة هذه الفئة ، وإنا لا ندعي أننا في هذه الأجزاء سوف نأتي بما لم يأتِ به من كان قبلنا ، وإنما عملنا يقوم على جمع بعض الأفكار المتناثرة التي ألقيت في بطون الكتب أو المحاضرات أو المقالات ، ثم ترتيبها على هيئة نقاط . كما أنا ألحقنا بها نقاطاً جديدة لم يذكرها أحد ، وللإحاطة فما ذكرناه إنما هو عبارة عن بحث مطول اختصرت منه هذه النقاط ، وقد أحببنا أن لا نطيل في العرض حتى لا يتوهم البعض صعوبة مجابهة العدو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت