فهرس الكتاب

الصفحة 5144 من 27364

معتز الخطيب **

كتب فوكوياما في ديسمبر/ كانون الأول 2001 أن"مسيرة التاريخ العريضة"ستتقدم بناء على نتيجة الحرب العسكرية (في أفغانستان والعراق) ، و"التطور الثاني والأهم ينبغي أن يأتي من داخل الإسلام نفسه، فعلى المجتمع الإسلامي أن يقرر ما إذا كان يريد أن يصل إلى وضع سلمي مع الحداثة، خاصة في ما يتعلق بالمبدأ الأساسي حول الدولة العلمانية والتسامح الديني". وتحدث كاتب آخر عن"الحرب في العراق ومستقبل العلمانية في المنطقة" (الحياة 28 سبتمبر/ أيلول 2003) ، في حين أوصت مؤسسة"راند"البحثية (2004) -ضمن ما أوصت- بدعم العلمانيين في العالم الإسلامي وتعزيز فكرة فصل الدين عن الدولة في الإسلام.

في المقابل تحدث هنتنجتون في كتابه الأخير عن تحديات للهوية الأميركية، منها مناداة الليبراليين بشكل متكرر بسيادة قيم العلمانية وفصل الدين عن الدولة وعن الحياة العامة الأميركية، ما أضعف -برأيه- المكون الديني المسيحي للهوية الأميركية.

ويرى هنتنجتون أنه لبناء الهوية الأميركية لا بد من تحولين أساسيين، أولهما عودة الأميركيين للدين المسيحي وزيادة دور المسيحية في الحياة العامة الأميركية، وثانيهما الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلام كعدو أساسي جديد لأميركا. ومؤخرا كتب جون فول عن"الإسلام ونهاية العلمانية"، نهايتها بوصفها أحد أبعاد عملية التحديث وليس كأيديولوجيا منافسة.

هل لهذا كله معنى؟

إننا أمام توجهين رئيسيين، الأول يدعو إلى العلمانية بوصفها حلا لمشكلة العالم الإسلامي مع"العالم الحر"، والثاني يدعو إلى دور للدين في الشأن العام والحياة العامة، ما يعني خروجا على المعنى الشائع للعلمانية، وإن كان لا يصل إلى القول بنهاية المفهوم حتى لا نقع في المبالغات الصحفية، فضلا عن أن حديث النهايات ربما قرئ على أنه ينطلق من أرضية متطرفة، ترى أن أي تحول عن المنظومة الأرثوذكسية لنسق أو مفهوم ما: هي نهاية له.

لكن مع هنتنجتون يتم استعمال الدين لتفعيل الصدام استكمالا لنظريته في صدام الحضارات التي هي تصنيف بحسب الدين أساسا، في حين أن"فول"يتحدث عن إمكان تحالف مع المؤمنين الذين يعتقدون أن للدين دورا في الحياة العامة بدلا من البحث عن الملحدين وأشباههم، لأن الحرية يجب أن ترتكز على أسس أخلاقية.

هذه الكتابات تحملنا على معالجة مسألتين: الأولى وهي إمكانية علمنة الإسلام كما تطرحه بعض رؤى الإصلاح الأميركية بعد 11 سبتمبر/ أيلول. والثانية هي التحولات التي تشهدها العلمانية خصوصا بعد أحداث سبتمبر/ أيلول، لكن لا يمكن الخوض في المسألتين كلتيهما دون الخوض في المفهوم والتباساته.

سؤال المفاهيم والتباساته

لا يمكن القول بأن المكونات التأسيسية للنموذج العلماني قد جاءت من حضارات متنوعة المصدر، فذلك يؤول إلى اعتبارها"صالحة لكل زمان ومكان"، بمعنى أنها تغدو لا تاريخية في مقابلة مع"القرآن".

فمن المهم في أي حديث تحديد المفهوم أولا، لأن المفاهيم مفاتيح للفهم ومرايا للوعي، وكيف يمكن تحديد العلائق بين المفاهيم دون التمييز بينها وتحديد مدلولاتها؟ من هنا فإن"العلمانية"نفسها من أكثر المفاهيم التباسا، وكما يقول محمد أركون"كلمة العلمانية لا تدل على شيء، وليست لها أرضية مفهومية -ولا تاريخية ولا فلسفية- في اللغة العربية. إنما هي كلمة معلقة في الهواء".

ومن هنا تعددت تعريفاتها ومركباتها المفهومية، خصوصا في الفكر العربي المعاصر، ليس لكونها ليس لها أرضية مفهومية عربية فقط، بل لأنها متلازمة مع الغرب والاستعمار، بوصفها مكونا منسوبا إلى سياق حضاري وتاريخي خارجي، ومعاديا في الآن نفسه، وما يفرزه ذلك من التباسات متشعبة بدءا من الاختلاف بين طبيعة المسيحية والإسلام، وانتهاء باختلاف الثقافات وحديث الخصوصيات، فضلا عن التباس السجالات الأيديولوجية المسيسة حولها. ويأتي هذا في مقابل نزوع بعض العلمانيين إلى الحديث عن أنسنة المشروع العلماني ونسبته إلى البشرية عامة وتهميش مقولة المنشأ الغربي للمفهوم والنموذج.

إنه لا يمكن القول بأن المكونات التأسيسية للنموذج العلماني قد جاءت من حضارات وسياقات ومفاهيم اجتماعية متنوعة المصدر، الغرب واحد منها!، فذلك يؤول إلى اعتبارها"صالحة لكل زمان ومكان"، بمعنى أنها تغدو لا تاريخية في مقابلة مع"القرآن"بالنسبة للمسلمين، ما يجعلنا أمام دين في مواجهة دين!.

وضمن هذه الرؤية ربما يأتي حديث البعض عما سماه"الطبيعة العلمانية للإسلام"!. ومن ثم يغدو سؤال: هل الإسلام دين علماني؟ من هذا القبيل سؤالا أيديولوجيا يستعير التباسات مفهومية من خارج فضائه المفهومي كما سيتبين، فضلا عن أن المفهوم يعكس جملة من الأزمات والصراعات والرؤى الفلسفية والحلول للعلاقة بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية (الكنيسة) في السياق الغربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت