بقلم عبد الرحمن حسن حبنكة الميدانى من كتاب كواشف زيوف
"برتراندرسل"وآراؤه الإلحادية
من هو"برتراندرسل"؟
هو فيلسوف إنكليزي ملحد معاصر . وذو تأثير قوي في ميدان الدراسات الفلسفية . عاش ما بين: (1873 - 1970م) .وهو من أسرة ارستقراطية معروفة . كان جده رئيساً للوزارة الإنجليزية ، على مبدأ الأحرار . وقد أثار حرباً شعواء ليظفر بحرية التجارة ، وبالتعليم العام المجاني ، وبتحرير طائفة اليهود .
كان"برتراندرسل"أشهر الفلاسفة الذين عرفهم الفكر الفلسفي أثناء الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية .
كتب في مختلف مجالات الفكر الفلسفي ، وكتب في غيرها أيضاً ، وكان ذا نشاط تأليفي غير عادي ، وقد ظل صاحب الخطوة الأولى لدى الذين يطلقون على أنفسهم تقدميين من المثقفين المعاصرين الملاحدة في أوروبا وذيولها .
وهو ذو تطرف سياسي . ومتطرف جداً في إلحاده . وقد بسط أفكاره السياسية والإلحادية المتطرفة في كتابات أدبية مؤثرة .
أثرت كتاباته السهلة على العامة ، وأثرت كتاباته العميقة على الفكر الأوروبي المعاصر كله .
استعراض لأهم آرائه وأفكاره وحركة فكره الفلسفية:
أولاً: سار في فلسفته ضمن أطوار ، من المثالية إلى الوضعية . وقد ركز اهتمامه أخيراً على المذهب الوضعي ، فصار يرى أن المعرفة تظل مستحيلة ما لم نستعن في محاولة الوصول إليها بمناهج الطبيعة .
وواقعية"رسل"قريبة من الواقعية الملاحظة في مذهب"هيوم"التجريبي .
وقد سيطر على فلسفته مذهب الشك ، حتى كاد الشك المطبق يخيم على جميع جوانب فلسفته .
وعلى الرغم من حدة ذكائه ، وسعة اطلاعه ، عجز عن أن يضع مذهباً فلسفياً متناسقاً ، يربط بين جميع آرائه ونظرياته ، وعجز أيضاً عن تحاشي الوقوع في التناقض ، إذ يلمس الباحث القارئ لكتبه ، ظاهرة التناقض جلية في بعض جوانب فلسفته .
لقد تبنى مواقف فكرية كان من سماتها التغير المتواصل ، فلم يكن يثبت عند موقف منها . وانتهى إلى الادعاء بأنه يستحيل إدراك الواقع خارج نطاق مناهج علوم الطبيعة ، فحصر المعرفة في العلوم الطبيعية وحدها ، ثمّ أخذ يتشكك حتى في قيمة تلك المعرفة ،وهو في ذلك يقول:
"حتى المعرفة التي تمدنا بها علوم الطبيعة لا تعدو أن تكون مجرد معرفة احتمالية".
ثانياً: رفض"رسل"مثالية"هيجل"كلها رفضاً قاطعأً ، وادعى أن العالم الواقع يتألف من مجرد معطيات حسية تترابط فيما بينها بواسطة علاقات منطقية صرفة . وزعم أن المادة وإن كان لها وجود واقعي ملموس ، فمن المستحيل إدراكها إدراكاً مباشراً.
ومضى"رسل"في بلورته لنظريته في المعرفة دون أن يخرج بها عن النظرية الأفلاطونية الكلاسيكية ، بيد أنه ينتهي فيما بعد إلى التسليم بعجزه عن تقديم حلول قاطعة لمشكلة المعرفة في جملتها ، نظراً إلى ما يكتنف تلك المحاولة في رأيه من صعوبات جمة ، فنراه يقترب من الموقف نفسه الذي انتهت إليه الوضعية قبله .
واعترف"رسل"بأن آراءه في علم النفس قد جاءت مغرقة في نزعتها المادية ، ومع ذلك فإنه لم يتبنَّ وجهة نظر مادية خالصة في هذا المجال .
ثالثاً: ذهب إلى اعتبار الإنسان جزءاً لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة . وزعم أن العقل الإنساني خاضع للقوانين الطبيعية ، إذ اعتبرها متحكمة في جميع ضروب الفكر .
وزعم أن العلم الذي يشكل المصدر الوحيد لمعرفتنا ، لا يمكن أن يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله ، أو بخلود النفس .
وزعم أن فكرة الخلود فكرة بالغة البطلان والاستحالة ، إذ لو كان الخلود هو المصير الذي ينتظر النفس بعد الموت ، فما السبب إذن في عجز النفس عن أن تشغل لها حيزاً إلى جانب الجسد في هذه الحياة الدنيا؟ .
رابعاً: أفرط"برتراندرسل"إفراطاً شديداً في صب هجومه على الدين قائلاً:
"إن الدين لا يقوم إلا على عوامل الترهيب والتلويح بالعقاب ، وبالتالي فإن الدين يشكل ضرباً من ضروب الشر التي تملأ هذا العالم . وهذا هو السبب في أننا نجد أن أولئك الذين لم يبلغوا بعدُ درجة كافية من النضج الأخلاقي والعقلي هم وحدهم الذين ما زالوا يتمسكون بالمعايير الدينية التي تناهض بطبيعتها جميع المعايير الإنسانية الخيرة التي يجب أن تسود عالمنا الحديث ."
خامساً: يرى"رسل"أن للإنسان إرادة حرة تدفعه إلى أن يقيم لنفسه في الحياة مثلاً عليا ، يطمح بها إلى تحقيق حياة خيرة ، تسير على هدى المعرفة والمحبة الإنسانية ، ومن شأن حرية الاختيار هذه أن تغني الإنسان عن البحث عن نظريات أخلاقية لا طائل وراءها .
وإذ زعم أنه لا جدوى للنظريات الأخلاقية التجريدية لضرورات الحياة العملية ، فقد بدا له أن يقدم برهاناً على ذلك مثال الأم التي تواجه مرض طفلها الصغير ، فقال: إن تلك الأم لا تحتاج في سعيها وراء شفاء طفلها إلى مشرعين أخلاقيين ، وإنما تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب .