{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} .
وفي ظروف الحياة الدنيا قد تقضي الحكمة بمعاقبة بعض المسيئين والمجرمين ، عناية بالمسيء حتى يتوب ، أو تنبيهاً على قانون العدل الرباني ، أو مكافأة للمظلوم وجبراً لخاطره. على أن الجزاء الأوفى مدّخر إلى يوم الدين ، ونظير ذلك يكون في بعض صورة الثواب العجل .
وآلام الذين هم دون التكليف آلام إعداد وتربية ، اقتضتها السنن الثابتة العامة .
فكلٌّ من النعم والمصائب في هذه الحياة الدنيا ، إما أنها للامتحان وهو الأصل ، وإما أن تكون من معجّل الجزاء ، وإما أن تكون للتربية ، وكل ذلك مقرون بحكمة عظيمة .
فما زعمه منكرو العناية الإلهية باطل تماماً ، وما ادّعوه من أن مصير فاعل الخير أسوأ من مصير فاعل الشر ، فالفساد فيه آتٍ من وجهين:
الأول: أننا لا نجد هذه الدعوى منطبقة على الواقع الدنيوي انطباقاً كلياً ، بل قد يحدث هذا وقد يحدث عكسه ، وكلٌّ من الأمرين مشمول بقانون الابتلاء الرباني . هذا مع حصر النظر في ظروف الحياة الدنيا .
الثاني: أن قصة الوجود لا تنتهي بالموت في هذه الحياة الدنيا ، بل الموت عبارة عن انتهاء مدة امتحان الإنسان ، الموضوع موضع الامتحان في هذه الحياة .
وبعد ذلك تأتي الحياة الأخرى الخالدة ، التي يكون فيها الجزاء الأوفى .
والدين الحق يكشف أن قانون الجزاء الرباني يومئذ ، يتضمنه قول الله عزّ وجلّ في الدين الخاتم:
{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} .
ولا بد أن نلاحظ في هذا الموضوع أن من لوازم الامتحان المستوفي لشروطه ، تمكين المجرمين من ممارسة جرائمهم في الحياة الدنيا ، ليستوفوا عقابهم يوم الدين .
ويومئذٍ يكون التعويض عظيماً لمن وقعت عليهم الجرائم ، إذا هم آمنوا بالله وعدله وحكمته واستقاموا على طاعته .
وليس معنى ذلك أن لا ينتصروا لأنفسهم في الحياة الدنيا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، بل ذلك من مسؤولياتهم في حدود استطاعتهم .
ولولا تمكين المجرمين من ممارسة جرائمهم في ظروف هذه الحياة الدنيا ، ما استوفى الامتحان الأمثل شروطه اللازمة .
فإذا تركنا موضوعات النعم والمصائب وأنواع الشرور التي يمارسها الناس بإرادتهم الحرة ، والتي اقتضتها في هذه الحياة الدنيا مقتضيات الامتحان الأمثل ، وانتقلنا إلى كل ظواهر الوجود الأخرى ، فإننا نجد عناية الله ظاهرة في كل شيء.
هل يجد الباحثون في ظواهر الكون الكبير إلا التلاؤم التام بين الأشياء ، وبينها وبين حاجات الأحياء؟
أليس لكل داء دواء ، ولكل مرض وعلة وسيلة شفاء؟
أليس لكل حيّ ما يناسبه في الأرض من غذاء ؟
أليست العناية الربانية هي التي أتقنت كل شيءٍ خلقته ، من الذرّة إلى المجرّة . من الخلية إلى جسم الكائن الحيّ كله؟
لقد كفتنا العلوم الكونية المعاصرة المتعمقة التي قام بها العلماء المادّيون ، فقد أثبتت بشكل قطعي ظاهرة العناية الربّانيّة ، بما لا يدع مجالاً للشك مطلقاً .
فلسنا بحاجة إلى إثباتات عقلية ، أو استدلالات نعتمد فيها على الظواهر السطحيّة للكائنات بالرؤية العادية .
وأقول أخيراً:
إن قصور النظر إلى الواقع لا يغير من كمال الواقع شيئاً .
ثانياً: قولهم: أين العناية الربانية في عالم لا يوجد فيه مكان يصلح لسكنى الإنسان إلا جزء ضئيل منه؟ قول سخيف .
* هل استوعب الإنسان الأرض كلها حتى يبحث عن غيرها؟
* إن الأرض كلها لهذه الحياة الأولى ليست أكثر من مختبر ، لامتحان الوافدين إليه ، وليست هي الجنة المعدة للخلود . فجنات النعيم فيها كل ما يطلب أصحابها ، ومزيد لا يخطر على بالهم من فيض فضل الله وجَوده العظيم .
إن عدم فهم الحكمة من الخلق يوقع في الأغاليط الكثيرة .
ثالثاً: قولهم: أين العناية الربانية التي تركت الإنسان خلواً من كل سلاح ، بل هو الحيوان الأكبر الأعزل؟ هو قولُ ينقضه واقع حال الإنسان ، الذي سلّحه الخالق العظيم بالفكر ، الذي يستخدم به كل ما في الكون المسخر له بقضاء الله وقدره .
ونقول: أليس من عناية الله بالإنسان أن سخّر له كل ما في الأرض ، وما في السماء أيضاً ، وقد ظهر ذلك في عصرنا عصر الكشوف العلمية التي جعلت الإنسان يجوب في الآفاق ويصل إلى القمر وغيره من الكواكب ؟
أليس الإنسان هو المسلط بفكره ووسائله على كل كائنا البرّ والبحر؟
لقد كان مبلغهم من الرؤية قاصراً ، فكان مبلغهم من العلم قليلاً.
والحمد لله الذي هدانا للحق بدينه الخاتم ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .