فهرس الكتاب

الصفحة 11445 من 27364

رينيه جينو".. الصعود إلى النور"

ياسر حجازي

رينيه جينو

رينيه جينو أو الشيخ عبد الواحد يحيى

يُعد العلامة الفرنسي رينيه جينو -أو العارف بالله الشيخ عبد الواحد يحيى كما كان يسميه الإمام عبد الحليم محمود رضي الله عنهما- حُجة الأديان عامة وحجة الإسلام خاصة في القرن العشرين. ولعل الاسم الذي اختاره لنفسه بعد اعتناقه الإسلام يلخص كل حياته في عبارة وجيزة هي:"عبد الواحد يحيى"؛ فذلك هو الطريق الذي سلكه وقاده في هدوء وسكينة بعيدًا عن صخب الحياة وصراعاتها ليعبد الواحد الذي لا شريك له، ويحيا في بحثه عن الحق والحقيقة، وكأنه قد مارس قوله"إنه لكي يدرك الإنسان كنه النور عليه محاولة الصعود إلى مصدره في تجربة ذاتية منفردة".

لم يكن انتقال رينيه جينو من المسيحية إلى الإسلام بعد أن درس الماسونية وفلسفات الشرق القديم من قبيل التذبذب وعدم الاستقرار أو حبا في التغيير، وإنما بحثا عن الحقيقة المفقودة، تلك الحقيقة التي كانت تربط الإنسان قديما بالكون الواسع في توازن حكيم ثم انقطع خيطها في ضغط هذا العصر الغارق في الماديات، إنه عبد الواحد يحيى الذي اعتنق الإسلام ووضع خطة لبناء المسجد الكبير في باريس قبيل الحرب العالمية الأولى وإنشاء جامعة إسلامية في فرنسا.

خطواته الأولى

ولد رينيه جينو في 15 نوفمبر عام 1886م بمدينة بلوا جنوب غرب باريس ونشأ في أسرة كاثوليكية محافظة، وكان رينيه ضعيف البنية؛ وهو ما عطّل التحاقه بالمدرسة فتولت عمته"دورو"تعليمه القراءة والكتابة في منزلها الجميل على ضفاف نهر اللوار حتى بلغ الثانية عشرة من العمر.

وما إن بلغ السادسة عشرة من عمره حتى التحق بكلية"رولان"r ollin College في باريس ليعد شهادة الليسانس في البكالوريا شعبة الفلسفة كما حصل على البكالوريا في الرياضيات المتخصصة، إلا أن دراسته في ذلك الوقت قد عرفت الخط الذي سيصبح طريقه إلى البحث المتواصل، فلم يكتف بالدراسة الجامعية وراح ينهل من العلم في باريس الزاخرة بالمعلمين والمرشدين من الشرق والغرب.

وما إن وصل إلى العشرين من العمر حتى كان قد تشرب أساسيات تكوينه الروحي وبدأ رحلته في البحث والتنقيب بين المنظمات المختلفة لمعرفة ما إذا كانت ذات طابع أصيل أم لا، إذ لم يعد رجال اللاهوت الكنسي قادرين على تقديم إجابات مقنعة لأسئلته فقرر الابتعاد ومحاولة البحث بنفسه عن اليقين المطلق في غياهب المجهول، وراح يدرس أهم المذاهب الدينية والفلسفات الروحية قبل أن يستقر به المطاف في رحاب الإسلام ليصبح واحدًا من أهم متصوفي العصر الحديث.

في الطريق..

ففي عام 1906م خالط المدرسة الحرة للدراسات الغيبية ليابوس وانتقل إلى منظمات أخرى كالمارتينية والماسونية التابعة للطقس المعروف باسم الطقس الوطني الإسباني، وفي عام 1908م انضم إلى المحفل الماسوني الكبير في فرنسا، كما انضم إلى الكنيسة الغنوصية وهي كنيسة قائمة على المعرفة من أجل الوصول والرقي لمعرفة الله سبحانه وتعالى؛ أي إنها قائمة على عكس الكنيسة السائدة التي تؤمن بتجسد الله عز وجل إلى بشر وما إلى ذلك، وفي نفس هذه الفترة التقى العديد من الشخصيات التي سمحت له بتعميق معرفته بمذهب الطاوية الصيني وبالإسلام.

بدأت أول أعمال رينيه جينو بالظهور عام 1909 حيث أصدر تقريرين علميين في مجلة"سلوك"ومناظرة في مجلة"أكاسيا"ورسالة توضيحية في مجلة"فرنسا المسيحية اللاماسونية"، وكان يوقع أعماله باسم"أبي الهول".

ومع نهاية عام 1909م عين رينيه جينو أسقفا غنوصيا بكنيسة الإسكندرية الغنوصية، فأسس مجلة الغنوص وأصدر مجموعة من الأبحاث في هذه المجلة وكان حكمه على هذه الكنيسة انتقادا قويا، على اعتبار أن المذاهب الروحية الحديثة ليست إلا مادية جديدة في مستوى آخر وهمها الوحيد أن تطبق على الروح منهاج العلم الوضعي.

لحظة التنوير

كانت معرفته بالمفكر والرسام السويدي"جان جوستاف أجلي"الذي اعتنق الإسلام عام 1897 فصار اسمه عبد الهادي -والذي كان يشارك في تحرير مجلة عربية إيطالية باسم"النادي"- لها الأثر الأكبر في إسلامه، خاصة أن جينو نشر العديد من المقالات عن المتصوف العربي الشهير محيي الدين بن عربي.

كان جينو إذ ذاك يصدر مجلة باسم"المعرفة"فأخذ عبد الهادي في عام 1910 يساهم فيها بجد ونشاط ونشر فيها أبحاثا وترجمة لكثير من النصوص الصوفية إلى اللغة الفرنسية، ومن هنا تمكن عبد الهادي من أن يعقد بين جينو والشيخ عليش الذي أسلم هو على يديه صلة قوية متينة عن طريق تبادل الرسائل والآراء، وكانت النتيجة أن اعتنق جينو الدين الإسلامي عام 1912 بعد أن درسه دراسة مستفيضة.

يقول الإمام عبد الحليم محمود عن سبب إسلام رينيه جينو:"وكان سبب إسلامه بسيطا ومنطقيا في آن واحد، لقد أراد أن يعتصم بنص مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلم يجد بعد دراسته العميقة سوى القرآن؛ فهو الكتاب الوحيد الذي لم ينله التحريف ولا التبديل؛ لأن الله تكفل بحفظه فاعتصم به وسار تحت لوائه فغمره الأمن النفساني في رحاب الفرقان".

صوفية في السوربون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت