فهرس الكتاب

الصفحة 6568 من 27364

مجلة البيان - (ج 134 / ص 90)

د.مالك الأحمد

تعتبر تركيا أول بلد إسلامي تقام فيه العلمانية، بصورة تختلف جذرياً حتى عن التطبيقات العلمانية في البلدان الأوروبية المجاورة لها، التي تعتبر مصدر العلمانية.

فالعلمانية في تركيا تعني: (لا للإسلام) ، فليس الأمر مقتصراً على الحُكم (العلماني) بل يتعدى ذلك إلى سائر النشاطات البشرية حتى التصرفات الشخصية.

وتركيا البلد الوحيد في العالم ـ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واندثار أثر لينين ـ التي يحكمها رجل من قبره، رجل مُعظّم بل ومُقدّس، لا يُمس ولا يُنتقد ولا يُعترض عليه ـ وهو في قبره ـ .

وتركيا بلد الخلافة الإسلامية التي أصبحت أشد البلدان الإسلامية معاداةً للإسلام ومحاربةً حتى لشعائره كحجاب المرأة المسلمة.

الإعلام في تركيا:

رغم انتماء تركيا في العصر الحاضر إلى منظومة دول العالم الثالث؛ إلا أنها شذت عنها في أمور كثيرة ومنها الإعلام؛ فالإعلام في تركيا حر بكل معنى الكلمة، ولا يحتاج الأمر ترخيصاً من وزارة الإعلام أو إدارة المطبوعات لإصدار دورية (جريدة أو مجلة) ، أو إنشاء قناة إذاعية أو تلفزيونية. هذا الانفتاح الإعلامي الذي لا يتجاوز عمره عشر سنوات أثمر العشرات من الصحف اليومية ومئات المجلات الدورية. أما في جانب الإعلام المرئي والمسموع فيوجد الآن (1500) إذاعة ومعظمها محلي على نطاق موجة ، وقليل جداً منها إقليمي يغطي منطقة معينة، وبالنسبة للتلفاز فهناك (300) قناة تلفزيونية، منها ثلاثون قناة فضائية تغطي كافة الأراضي التركية من خلال القمر الصناعي (ترك سات) ، إضافة إلى أجزاء من آسيا وأوروبا، أما الباقي فهي قنوات محلية في نطاق المدينة أو المنطقة. هذا الانتشار الواسع لوسائل الإعلام في تركيا، لا مثيل له في البلدان النامية؛ بل حتى في البلدان الأوروبية، وهو أشبه ما يكون بالإعلام الأمريكي من حيث التعدد والانتشار، مع فارق وحيد هو أن اللغة التركية محصورة في مناطق محدودة من العالم وليست لغة دولية كالإنجليزية.

هذا التنوع في أدوات الإعلام مع الكثرة؛ جعل للإعلام سلطة فاعلة وحركة أساسية في المجتمع حتى إن الباحثين والمراقبين للشأن التركي يختلفون في القوة الأولى التي تحكم البلد؛ فالبعض يقول: إن الجيش هو القوة الأولى والإعلام القوة الثانية، أما الفريق الآخر فيرى العكس. والحقيقة أن الإعلام في كل الأحوال هو الذي يحرك الجيش ويستفزه لضرب أي توجهات إسلامية ولو كانت محدودة ومحصورة، بل لا يعبأ أن يحرّض ـ في كثير من الأحيان ـ على التدخل المباشر والقيام بانقلاب عندما يرى العلمانيون أن التوجه الإسلامي قد يهددهم، أو أن الصحوة الإسلامية بدأت ترفع الرأس وتتنسم الهواء الطلق. إنهم لا يريدون وجود قوي مؤثرة في البلد غير العلمانيين، فكيف يقبلون ببروز إسلامي صاعد؟ ويكاد يتفق المتابعون للشأن التركي أن سقوط حكومة التحالف الإسلامي/ العلماني كان على يد الإعلام وبشكل أخص الصحافة اليومية العلمانية ذات النفوذ والانتشار الواسع (1) .

ومن غرائب حرية الإعلام التركي وجود محطات تلفزيونية وإذاعية تقدم خدمات خاصة لأصحابها، وتقوم بحماية مصالحهم الشخصية الاقتصادية، وأحياناً بطريقة فجة؛ فهناك قناة تلفزيونية مهتمة بالدفاع عن كازينوهات القمار، تسوّق لها وتعدّد فوائدها وآثارها الاقتصادية على المنطقة المحلية، وأنها مصدر دخل قوي للعملة الصعبة، خصوصاً من إسرائيل بدلاً من الدراهم القليلة من السياح العرب (المتخلفين) !.

من جانب آخر يعتبر الكثير من الصحف اليومية العلمانية أن من مقومات الصحافة العري والتفسخ؛ فيندر أن يخلو عدد من هذه الصحف من صور نسائية عارية أو شبه عارية وبشكل متكرر ومقزز؛ تشبهاً بالصحف الشعبية الإنجليزية (التابلويد) ، ولكن بنساء تركيات (مسلمات على الأغلب) ، هذا الأمر لا يوجد ـ على حد علمنا ـ في أي بلد مسلم. ويلاحظ وجود دعم غير مباشر من الحكومات العلمانية للصحف اليومية كي تَغُضّ الطّرْف عن الأخطاء، وتركز جهودها فقط لتتبع الإسلاميين وأنشطتهم وإثارة العامة والجيش عليهم.

الإعلام الإسلامي في تركيا:

نظراً للجهد الضخم والإرث التراكمي للدولة العلمانية ومؤسساتها في محاربة الإسلام من جذوره؛ فإن أي جهد لمقابلة هذا المد أو حتى التخفيف من دوره يصب في خانة العمل الإسلامي؛ باعتبار أن القائمين عليه من أهل القبلة وذوو نيات حسنة، وإن خالفوا أحياناً المنهج الإسلامي الصحيح.

وعند الحديث عن النشاط الإسلامي إجمالاً في تركيا، فإنه يمكن تقسيمه إلى الفئات التالية:

* الحركات الصوفية النقشبندية: وهي ذات انتشار واسع في أوساط عامة الناس خصوصاً بين القرويين وبعيداً عن المراكز الحضرية الأساسية في البلاد، وهي ذات عمق تاريخي بعيد منذ أيام الخلافة العثمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت