محمد جمال عرفة **
إياد علاوي
لأنه بات في حكم المقرر أن يسيطر شيعة العراق على برلمان وحكومة العراق المقبلة، بعدما قرر الطرف الثاني القوي (السنة) عدم المشاركة فيها، ويتجه الطرف الثالث (الأكراد) للتركيز على مناطقهم الشمالية بشكل متزايد، فمن الطبيعي أن يثور السؤال: من سيحكم العراق مستقبلا من بين هؤلاء الشيعة، خاصة أن كل فريق من الأجنحة الكبيرة له قائمة مستقلة في الانتخابات؟.
هل هم العلمانيون من جماعة إياد علاوي وأنصاره الذين شكلوا قائمة موحدة تضم 6 أحزاب علمانية بالكامل، وقامت على أكتافهم حكومة الاحتلال المؤقتة، والمنتظر منهم دورا أكبر في ترسيخ تعاون إستراتيجي بين بغداد وواشنطن، أم الحوزة العلمية وجماعة السيستاني وحزب الدعوة الذين تقدموا بقائمة موحدة كبيرة غالبيتها من الأحزاب الدينية ليضمنوا السيطرة على برلمان وحكومة العراق؟ وكيف سيتعامل الاحتلال مع كلا الاحتمالين؟ ثم أين دور بقية الشيعة من الوطنيين المعارضين للاحتلال والمتحالفين مع السنة وباقي ألوان الطيف العراقي المطالبين برحيل المحتل؟.
لا شك أن قيادة الاحتلال تواجه -بالإضافة لمأزق رفض السنة المشاركة، وما قد يترتب على هذا من عدم شرعية الانتخابات- مأزقا آخر في التعامل مع الشيعة كمجموعات منفصلة ومتناقضة الأهداف، سيترتب عليه تحديد علاقتها بالعراق مستقبلا ؛ فهي تفضل البديل العلماني الشيعي وتضع الخطط للتمكين له في الحكم، ولكنها بالمقابل تخشي أن تُغضب تيار المراجع الدينية وعلى رأسها جماعة السيستاني؛ كي لا يتجه هذا التيار بدوره نحو المقاومة ليتكامل مع المقاومة السنية ويحيل حياة الاحتلال إلي جحيم.
فالاحتلال يدرك أن هذا التيار الديني الذي تمثله المراجع والحوزات العلمية يسعى لنوع من المهادنة مع الاحتلال بهدف تمرير الانتخابات والفوز بها وتشكيل كيان شيعي في نهاية الأمر يكون امتدادا لإيران، وليس بالضرورة تابعا لها بالنظر إلى للتضارب والتنافس في شئون المرجعيات الدينية بين طهران وبغداد.
ويدرك أيضا أن قسما كبيرا من الشيعة يمثل الأغلبية الصامتة يعادي الاحتلال، ولعب بالفعل دورا في ترتيب عمليات سرية ضده في جنوب العراق، وربما لم يظهر منه على السطح سوى جماعة مقتدى الصدر التي اصطدمت بالاحتلال عدة مرات، وأن هذه المجموعات والمراجع الدينية ربما تعطي أنصارها الإذن العام بالصدام مع الاحتلال في حالة إذا استشعرت خطرا أو عدم تحقيق رغباتها في دولة دينية ذات أغلبية شيعية.
ولكن الاحتلال لن يتخلى بدوره عن أهدافه لإطفاء نيران هذه المخاوف من التيار الديني الشيعي، خصوصا أنها تتقاطع مع أهداف قسم من السنة العرب في قيام دولة إسلامية التوجه لا علمانية، فأهدافه تتلخص في تشكيل حكومة عراقية علمانية في نهاية الأمر من غالبية من الوجوه الشيعية ذرا للرماد في العيون، بحيث تكون عونا للاحتلال في المستقبل ومنفذا لمصالحه في المنطقة، وربما لهذا خرجت تقارير أمريكية مؤخرا تؤكد أن رئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي سيفوز في الانتخابات وسيظل رئيسا للوزراء لفترة مقبلة حتى نهاية عام 2005، حيث ستجرى انتخابات حاسمة أخرى في العراق في نوفمبر 2005 بعد أن يتم انتخاب الجمعية الوطنية المؤقتة التي ستقر دستور البلاد.
وزاد من اعتقاد العراقيين بفوز علاوي المكالمة الهاتفية الأخيرة للرئيس الأمريكي بوش مع علاوي قبل أيام، والتي فسرها الكثير من المراقبين بأنها إشارة الدعم والطمأنة له، وقيام علاوي خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة بالتعرف على الأفكار الأمريكية بخصوص العراق الجديد عبر سلسلة لقاءات مع مسئولي الاستخبارات الأمريكية والدفاع ولجان الكونجرس الأمنية والإستراتيجية.
خطة علمانية بأيادٍ شيعية
في 23 أبريل الماضي، قالت صحيفة"واشنطن بوست": إن المسئولين الأمريكيين الذين خططوا لمستقبل العراق أساءوا تقدير القوة التنظيمية للأغلبية الشيعية وإنهم غير قادرين على منع ظهور حكومة أصولية مناهضة للأمريكيين في العراق، ونقلت الصحيفة عن مسئولين في إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش قولهم: إن تقارير المخابرات التي نوقشت في اجتماع عقده جنرالات أمريكيون تحول إلى محاضرة عن الشيعة العراقيين والإستراتيجية الأمريكية لاحتواء الأصولية الإسلامية في العراق، وإن الإدارة انشغلت بالتخطيط للإطاحة بصدام ولم تعط الاهتمام الكافي لديناميكيات الدين والسياسة في المنطقة.
وذكروا أيضا أن إدارة بوش استهانت بقوة الشيعة وهي تشعر الآن بقلق من إمكانية أن تقود تلك المشاعر والطموحات لتشكيل حكومة أصولية، خصوصا أنهم يسمعون بأذنهم هتافات الشيعة التي تقول:"كلا كلا أمريكا"و"كلا كلا إسرائيل"و"كلا كلا للجلبي"و"الموت لأمريكا الموت لإسرائيل"و"نعم نعم للمرجعية"و"نعم نعم للحوزة العلمية"...