نبيل شبيب**
أرسطو
إلى أيّ حرية يدعو الغرب؟ وأيّ حرية يمارسها داخل بلدانه؟ ما موقعها من العقيدة أو موقع العقيدة في إطارها؟ ما وضعها في الواقع التطبيقي الغربي، وما الذي يجعل الازدواجية سمة ملازمة للتعامل الغربي مع حرية الآخر؟ هل الحرية بمفهومها الغربي قيمة من القيم الإنسانية المشتركة، يحقّ للغرب المطالبة بسريان مفعولها في المجتمع البشري دون تحفّظ؟ وهل يمكن الأخذ بحرية الغرب في الدوائر الحضارية الأخرى؟ وعلى افتراض صحّة ذلك، هل ينبغي تكييف المعطيات والخصائص الذاتية في تلك الدوائر الحضارية مع الحرية بمفهومها الغربي أم العكس؟
ويلاحظ أنه في القسط الأكبر مما يُكتب عن الحرية الغربية بأقلام غربية، أو حتى الأقلام الإسلامية، تتردد مقولة تعميمية، مؤداها أن التناقض بين مفهوم الحرية الغربي المعاصر والدين إنما نشأ كردة فعل تنويرية حداثية على الاستبداد الكنسي في ظلمات العصر الوسيط الأوربي فحسب، وهذه مقولة تفتقر إلى تمحيص تاريخي منهجي.
وشبيه بذلك مقولة تعميمية أخرى مؤدّاها أن انطلاقة مسيرة الحريات في عصر التنوير الأوربي قد تجاوزت الحقبة الكنسية، فأخذت جذور"الديمقراطية"من عصر الإغريق والرومان، وهي مقولة تنطوي ضمنًا على تبرئة ذلك العصر مقابل إدانة الكنيسة وعصر استبدادها، ومن العسير القبول بذلك وما يراد أن ينبني عليه.
جذور إغريقية وكنسية
أوّل من استخدم كلمة"الديمقراطية"في الغرب كان الفيلسوف الغربي أرسطو (توفي 322 ق.م) ، وقليلا ما يُذكر أنّ أرسطو لم يستخدم الكلمة، والتي تعني في الأصل"حكم الشعب"بمقاصدها المعروفة اليوم، بل من منظور الازدراء ببعض معاصريه ممّن دعا إلى تمكين"الدهماء"من العامّة من قول ما يريدون، فأولئك لا يفقهون -وفق نظرته- في السياسة ولا سواها، ولا ينبغي الاستماع إليهم في نطاق ما سمّاه الغربيّون المحدَثون"ديمقراطية أثينا".
وديمقراطية أثينا تلك لم تتجاوز احتكارَ صناعة القرار في نطاق"علية القوم، أي زهاء 2 إلى 3% من"الشعب"، ولم تعرف انتخاباتٍ ولا فصلَ سلطات ولا أي علامة أخرى واضحة أو حتى في حدود بذور أولية من علامات الديمقراطية الغربية الحديثة. إنما قال بعض معاصريها بجواز السماح للعامّة أن"يقولوا"ما يريدون، فكان ذلك على غرار ما تعرفه الأنظمة الاستبدادية حديثا؛ إذ تسمح بالتعبير عن الرأي بأسلوب"قل ما تشاء.. ونقرّر نحن ما نشاء"، ويسري شبيه ذلك بدرجات متفاوتة على غالبية الدول الديمقراطية الغربية المعاصرة، حيث حرية التعبير مكفولة دستوريا، لكنّ غالبية الأفراد من عامّة المواطنين لا يمتلكون قوّة فاعلة تسمح بتأثير"حرية تعبيرهم"على صناعة القرار، فلا مبالغة في القول إنّها تبقى في الحصيلة حبرا على ورق."
في عصر الإغريق كان أشهر الشواهد على هذه الصورة ما عُرف بمحاكمة سقراط (توفي 399 ق.م) الذي اشتهر بفلسفته"التوليدية"، أي استخراج الجواب عبر طرح الأسئلة على العامّة في شوارع أثينا ليستخرج من أجوبتهم ما يفكّرون به، وكان مصيره المحاكمة بتهمة الشغب، وصدور حكم بالإعدام عليه وهو في السبعين من عمره، فاستبق تنفيذ الحكم بتناول السمّ كما كانت تقضي أعراف الفلاسفة.
يتكرّر هذا المشهد بصور شتّى في نطاق"الفلسفة الرواقية"التي أسّسها"زينون الرواقي" (توفي 264 ق.م) ، وانتقلت لاحقا إلى العصر الروماني والكنسي، وقامت على الفصل بين القيم السلوكية وصناعة القرار، أو"الفلسفة الإبيقورية"التي أسّسها إبيقور (توفي 270 ق.م) ، داعيا إلى اللذة والمتعة، وإلى تجنّب السياسة وأهلها.
أمّا أن يتجاوز الفلاسفة -والفلسفة هي الفكر بمفهوم الغرب- حدود فرضياتهم عن الطبيعة والكون، والإنسان وسلوكه، إلى أمر يتعلّق بتكوين الإمبراطوريات آنذاك، وطبيعة حكمها، أو إلى ما يتّصل بالآلهة الوثنية استهزاء أو إنكارا، فمصير من يصنع ذلك كمصير سقراط، محاكمة، وإعداما، أو نفيا، أو سجنا، أو قتلا، أو انتحارا، كما كان مع عدد كبير من الفلاسفة من أيام آناكساجوراس الإغريقي (توفي 428 ق.م) إلى أيام سيزيرو الروماني (توفي 43 ق.م) .
وأبرز ما بقي من تلك الفترة عن الديمقراطية الإغريقية الغربية مخطوطة أفلاطون (توفي 347 ق.م) بعنوان"المدينة الفاضلة"، وإليها يعيد الغربيون ومن دعا بدعوتهم جذور ديمقراطيتهم المعاصرة، وكانت"المدينة الفاضلة"وفق أفلاطون نظام حكم طبقي؛ ففيها طبقة رجال الدين والنبلاء (الأرستقراطيين الحاكمين) ، وطبقة العسكريين المقاتلين، وطبقة الشعب التي لا حقوق لها سوى أن تنفّذ ما تقرّره الطبقة الأولى.