[الكاتب: يحيى هاشم حسن فرغل]
زعموا أن العلمانية سر التقدم في العالم المعاصر الذي ما حدث إلا بخلع الدين.. ولقد زيفوا فيما زعموا.. ثم كذبوا..
أما أنهم زيفوا فذلك أنهم - ضمن"حرب المصطلحات"كما بينا في المقال الأسبق - أدخلوا إلى البيئة الإسلامية مصطلح العلمانية، لغير مشكلة فيها، ثم استوردوا له المشكلة، ونادوا بدوره في حلها!!
وأما أنهم كذبوا فلأن الدولة الدينية مازالت في صلب الدولة الحديثة شديدة التطور في أوربا وأمريكا
وقد بينا في مقال سابق أنه في علاقة الغرب بنا كانت حروبهم معنا دينية، ليس ذلك فحسب في حروبهم التاريخية المتقادمة ضدنا في الحروب الصليبية، أوفي حروبهم ضد المسلمين في الأندلس ولكن في حروبهم ضد المسلمين في عقر دار العصر الحديث عصر التنوير والحداثة لإبعاد المسلمين عن دينهم أولا ثم لتنصيرهم من بعد ذلك وهاهو التنصير في فرصته التاريخية ومرحلته الجديدة بدءا من العراق.
وسوف نبين في مقال قادم نشاط كنائس الغرب في مجال السياسة نشاطا يلقى الاحتفال والاحترام والاعتراف والتقدير من الجماهير والرأي العام وأصحاب النفوذ على السواء إلى حد اشتراك العلمانيين أنفسهم في"زفة"هذا التقدير.
وسنبين هنا تداخل المفاهيم الدينية في بنية الدولة في الغرب وخططها السياسية مما يلقي على دعاة العلمانية بتهمة خداع الرأي العام الإسلامي في دعوتهم إياه إلى استبعاد الدين بحجة التقدم!!
ونهتم بأن نذكر من ذلك كله ما كان قبل ظهور مجموعة بوش والمحافظين الجدد قبيل الحادي عشر من سبتمبر 2001 رفعا لتوهم أنها حالة عابرة.. كما أننا لم نقتصر على ملابسات خاصة بأحزاب المحافظين أو المتشددين رفعا لتوهم أنها حالة حزبية معزولة.. كما أننا لن نذهب بعيدا في التاريخ رفعا لتوهم أنها حالة ماضوية كما يود العلمانيون لنا أن نفهم.
وإذا كان من المشهور اليوم ظهور التلاحم بين السياسة والدين في مجال البروتستنت - في نموذج المحافظين الجدد - فسوف نهتم هنا بإبراز ذلك التلاحم في مجال الكاثوليك.. وإذا كان من المشهور اليوم اشتغال رجال السياسة بالدين فسوف نهتم هنا غالبا بإبراز اشتغال رجال الدين بالسياسة.
وفيما يختص ببيان تداخل المفاهيم الدينية في بنية الدولة في الغرب وخططها السياسية:
يقول الأمير شكيب أرسلان: (هل يظن الناس عندنا في الشرق أن نهضة من نهضات أوربا جرت دون تربية دينية؟ أفلم يقل رئيس نظار ألمانيا في الرايستاغ منذ ثلاث سنوات - نشر الأمير كتابه عام 1930: إن ثقافتنا مبنية على الدين المسيحي؟) [أنظر لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم: طبعة 1965 / ص 147] .
وفي ألمانيا الديموقراطية قبل الاتحاد الذي تم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي - وقد كانت تقوم على تعاليم ماركس وإنجلز ولينين أصبح مارتن لوثر - بالرغم من ذلك - أحد آبائها الأيديولوجيين، حيث اعتبرته المدرسة الماركسية من خلال إنجلز رائدا لثورة اجتماعية سياسية لم يكن عنده الجرأة على استيعاب ما يترتب عليها!!
أما في ألمانيا الاتحادية - وأيضا بعد اندماج الألمانيتين بالطبع - فإن الدين ملتصق بالدولة تحمي مؤسساته ومصالح هذه المؤسسات سواء كانت لوثرية أو كاثوليكية، والكنائس في ألمانيا تعتبر أغنى كنائس العالم، والتعليم الديني إجباري في المدارس إلى سن الرابعة عشرة، إذ يفرض على الطالب البروتستانتي تعلم اللوثرية، وعلى الطالب الكاثوليكي تعلم الكاثوليكية.
وفي بريطانيا: أين هو الفصل بين الكنيسة والدولة؟ أليس ملك بريطانيا هو رئيس الكنيسة في الوقت نفسه؟
وإذا كان العلماني المعروف الأستاذ أحمد بهاء الدين أراد أن يخفف عنا هذه الحقيقة بقوله: (ملكة انجلترا هي رئيسة الكنيسة الإنجليزية ولكنها لا تأمر أو توجه ناقلة رأي الكنيسة إلى البرلمان المنتخب من الشعب) ، فإن الحقيقة لا تنتهي عند هذه النقطة كما يريد لنا الكاتب أن نفهم، لأن السؤال هو: وما دور البرلمان المنتخب من الشعب بعد أن تنقل إليه الملكة رأي الكنيسة؟
واقرءوا معنا قصة الإفخاريستا... يقول الأمير شكيب أرسلان: (لم يحدث في التاريخ أن مسألة من مسائل انجلترا الداخلية أخذت في الأهمية الدور الذي أخذته قصة"الأفخاريستا"وهي قصة تحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح..