فهرس الكتاب

الصفحة 5540 من 27364

تركيا بعد 77 عاماً من العلمانية

على قيام الدولة العلمانية التركية نحو 77 عاماً، تلك الدولة التي أسسها مصطفى كمال عام 1923م، وبعد هذه الأعوام من الحكم العلماني تقف تركيا حائرة غير مستقرة لا تعرف لنفسها وجهة، ولا تثق بالأرض التي تقف عليها ولا المبادئ التي تنطلق منها؛ فالعلمانية التي تبنَّاها أتاتورك تحولت إلى أيديولوجية قمعية أقرب إلى الأيديولوجيات الفاشية والنازية والشيوعية، وكل من تسوِّل له نفسه الخروج على مبادئها فإن نصيبه السجن والتنكيل بل القتل، ولم تستطع العلمانية أن تحقق الاطمئنان للمواطن التركي؛ لأنها مزقته بين تاريخه وإسلامه وحضارته وبين قيم غريبة عنه مفروضة عليه، كما لم تحقق العلمانية لتركيا حلم الالتحاق بأوروبا (المسيحية) ؛ إذ ظلت أوروبا تنظر لتركيا على أنها مسلمة، ولم تعبأ بتبني قيم التغريب والحداثة من قِبَل أتاتورك ومَنْ جاء بعده.

لقد فُرضت العلمانية بوصفها أيديولوجية صارمة وحادة وقمعية على المجتمع التركي، فهددت وحدته وتكامله برفض أي وجود للآخرين الذين يشاركون الأتراك العيش في وطنهم، ومن هنا كان الإنكار الصارم لوجود الأكراد، واعتبارهم أتراكاً يسكنون الجبال. ولا تزال المشاكل الكردية تمثل أكبر التحديات أمام العلمانية الكمالية.

وعلى مستوى الإنجاز الاقتصادي لم تستطع العلمانية أن تحقق للمواطن التركي مستوى للمعيشة ينشله من واقع البؤس والفقر، وعلى مستوى الطهارة الأخلاقية فإن التقارير تتحدث عن تحالف المافيا والفساد مع مؤسسات الدولة المختلفة بدءاً من المؤسسات الأمنية السيادية وحتى المؤسسات السياسية مثل مجالس الوزراء والنواب وغيرها. وفي العلاقات الخارجية لا تزال تركيا تمثل الأداة الأمريكية لملء الفراغ في المنطقة، وهي تتحالف في ذلك مع الكيان الصهيوني ضد الدول العربية والإسلامية، وكانت أزمة تركيا مع سوريا منذ عامين جزءاً من التوتر العلماني القلق في اكتشافه أن العلمانية التركية بعد هذا العمر لم تحقق لأصحابها طموحاتهم في سياستهم الخارجية. إن العلمانية الكمالية كأيديولوجية قد انهارت مع الأيديولوجيات الكبرى التي انهارت في هذا القرن، والبحث مطروح الآن بقوة عن مخرج للتخلص منها.

الكمالية تسقط في نظر العلمانية:

يقول الكاتب التركي المعروف أنيس باتور: « لقد انتهت الجمهورية الأولى بمدرستها ومستشفاها وسجنها ومحكمتها وبرلمانها» ، أي أن الكاتب يرى أن التجربة الكمالية قد سقطت بمؤسساتها، ولا بد من البحث عن بديل لها. إن العلمانية الكمالية محمية بقوة الجيش، وإذا قُدِّر للجيش أن يُستبعد عن صناعة القرار في تركيا فإن ذلك سيكون بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على الكمالية، والذين يتحدثون عن ضرورة وجود ما يطلقون عليه: (الجمهورية الثانية) هم علمانيون وليسوا إسلاميين؛ لكنهم يرون العلمانية الكمالية استبدادية وقمعية ومتخلفة، ولا تصلح أن تكون صيغة تتجاذب مع تحولات السياسة والمجتمع في تركيا المعاصرة. إن العلمانية الكمالية جعلت من نفسها صنماً مقدساً لا يجوز الخروج على مقرراته العقيمة؛ فالدولة في الأيديولوجية الكمالية أصبحت عنصراً للتحكم والهيمنة، كما أن الديمقراطية أصبحت تعبيراً عن الاستبداد والتسلط.

حتى التحولات العالمية المتصلة بالتحول نحو اقتصاد السوق وانتشار الأفكار الليبرالية ثم اعتبار حقوق الإنسان معياراً للانتماء إلى الدول المتحضرة ـ حتى هذه التحولات لا تستجيب العلمانية الكمالية لشروطها، ومن هنا كان حديث فريق آخر من العلمانيين عن ضرورة تجاوزها إلى ما يطلق عليه: «الجمهورية الثانية» .

ويتحدث البروفيسور «خليل جين» عن إخفاق العلمانية ـ الكمالية في تحقيق الوفاق الاجتماعي فيقول: «الجمهورية التركية دولة علمانية ـ ديموقراطية حقوقية، وهي أيضاً نتاج التوافق الشعبي في إطار الوحدة القومية. وعجز الكمالية عن حل مشكلة تعدد الأصول والأعراق في تركيا يؤكد عجزها عن التعبير عن التوافق الشعبي في إطار الوحدة القومية. فالمشكلة الكردية متفاقمة وإصرار العلمانية الكمالية على نفي الوجود الكردي سيؤدي إلى تمزيق وحدة الدولة.

العلمانية تسقط في نظر الإسلاميين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت