فهرس الكتاب

الصفحة 21404 من 27364

تاريخ الإضافة: 11/06/2004

بقلم: أحمد الخطيب / نقلا عن مجلة الوعي

ما يشاع في وسائل الإعلام من أحاديث عن التعددية الديمقراطية، لا يخرج كله من مشكاة واحدة، فهذا المفهوم في دول الغرب له واقع مختلف عما يراد له في الدول العربية، أو حتى في البلدان الإسلامية على وجه العموم.

فالتعددية في الغرب هي تعددية حزبية حقيقية، وتعني التعددية في البرامج السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وهذه التعدديات هي تعددية في الفكر السياسي، الذي يخضع لأنظمة الحكم الرأسمالية الديمقراطية المتبناة في البلدان الغربية، فلا علاقة لهذه التعددية بالقبلية والعشائرية، أو بالأعراق والطوائف، كما ولا علاقة لها بالأديان والمذاهب، بل تسير في أجواء المبدأ الرأسمالي الذي تسود القناعة به في بلاد الغرب لتثبيت هذا المبدأ وتقوية التمسك به وتطبيقه.

وبالمقابل فالتعددية الديمقراطية التي يريدها الغرب، وبخاصة أميركا، للبلاد الإسلامية، ليست تعددية في أجواء المبدأ الإسلامي الذي تسود القناعة به في بلاد المسلمين، ولا لتثبت هذا المبدأ وتقوية التمسك به وتطبيقه، بل إن التعددية المقترحة في البلاد الإسلامية تعني التعددية القبلية والشعوبية، وتعني كذلك التعددية المذهبية والطائفية، وإثارة الفرقة والتجزئة في بلاد المسلمين

فتعددية الغرب عنصر من عناصر قوة مبدئها وزيادة التمسك به، ومن عناصر قوة الدول، ووحدتها، وتماسك مجتمعاتها، وتجانسها، بينما التعددية المرادة في البلاد الإسلامية هي عنصر من عناصر محاربة مبدئها، ومن عناصر ضعفها، وتخلخلها، وهشاشة مجتمعاتها، وسهولة تفتيتها.

وتركيز أميركا على فكرة التعددية (كما تريده هي لبلادنا) لم يأت من فراغ، وليس من باب الصدفة تضمين هذه الفكرة في جميع مشاريع الإصلاح الأميركية للشرق الأوسط، فيبدو أن أميركا وجدت في هذه الفكرة ضالتها، لأن فيها من الخداع والجاذبية الموهومة ما يمكنها من إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط صياغة جديدة، على وجه يجعلها منطقة تابعة لها ولا تختلف كثيراً عن جمهوريات الموز في أميركا اللاتينية التي تعتبر كمزارع لشركاتها الاحتكارية.

لذلك ليس غريباً أن تركز أميركا على ما تسميه حقوق الأقليات للإثنيات والمذاهب. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن أميركا تظهر حرصاً زائفاً على الأقلية الكردية، فتحتضنها، وتمدها بكل أسباب القوة، وتتباكى على ما أصابها من لأواء في حلبجة، ونجدها كذلك تذرف دموع التماسيح على شيعة العراق لأنهم -كما تزعم- حُرموا من حقوقهم في العهود السابقة والتي سيطر فيها على العراق حكام من السنة، وكأن حكام البعث، ومن سبقهم من قوميين وملكيين، كانوا يحكمون العراق حكماً مذهبياً!.

وكذلك لم يكن مستغرباً أن تركز أميركا، ومن ورائها أوروبا، على إبراز الهوية الأمازيغية في دول المغرب العربي، وأن تحتضن الأقليات الأوزبكية والطاجيكية في أفغانستان، وأن تعمل على إثارة الأقلية القبطية في مصر، وأن تؤازر الأقليات المسيحية والوثنية في جنوب السودان، وأن تثير الضغائن والمنازعات بين الأقليات والدول تحت ذريعة التعددية، بينما هي في واقعها صورة جديدة من صور القاعدة المشهورة فرق تسد.

لقد مارست أميركا لعبة التعددية هذه بإتقان ودهاء شديدين، فأوهمت الشعوب بأن في التعددية خلاص لها من الدكتاتورية، واستغلت تفوقها بعد سقوط منافسها الدولي السابق الذي كان يتمثل في الاتحاد السوفياتي، وركَّزت على الأقليات وتعددها لتسيطر على الدول بأسلوب جديد، فرعت الأقليات ودعمتها، وتحالفت معها لتستخدمها كرأس حربة تحقق بها مصالحها الاستعمارية.

فمثلاً ساندت في أريتريا أسايس أفورقي وهو نصراني من قبيلة اليتجراي، وهي من الأقليات في أريتريا، ودعمته إلى أبعد الحدود، بالرغم من خلفيته الاشتراكية اليسارية، ومنحته دولة في سرعة قياسية، كان من الصعب إيجادها، أو تصور وجودها بمثل هذه السهولة، ثم أسندته في حربه مع أثيوبيا، ومكنته من ترسيم الحدود معها، وتثبيت هذه الدولة الفتية في القرن الأفريقي، وبعد ذلك دعمته في قمع رفاقه السابقين في الثورة لكونهم ينتمون إلى خط العروبة والاشتراكية، وظاهرته ضد الأكثرية العربية المسلمة في البلاد التي كان يتوقع لها أن تكون دولة عربية، وأن تدخل في جامعة الدول العربية. وقام أفورقي بعد أن حصل على هذا الغطاء الأميركي بمحاربة العرب والمسلمين في اليمن، حيث غزا جزر عربية يمنية، وفي السودان حيث دعم مجموعات متمردة، وفي داخل أريتريا حيث حارب اللغة العربية والحضارة الإسلامية، وتحالف مع إسرائيل، واتخذ منها أنموذجاً يقتدى به. وتم القيام بكل هذه الأعمال المشينة، والتي يعتبر القيام بها بمثابة تمرد على الواقع، وخروج عن الصف، وانسلاخ من جسم المنطقة، تم القيام بكل هذه الأعمال بمظلة أميركية وتحت شعار التعددية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت