فهرس الكتاب

الصفحة 13263 من 27364

عبد الملك عبد الله آل ملفي

لعل مما أُبتلي به المسلمون اليوم هو حرب المصطلحات , وهذه الحرب ليست بالبساطة التي يتوقعها البعض , ولتوضيح هذه المسألة فإن فكرة هذه الحرب تعتمد على استبدال مصطلحات شرعية بأخرى ذات دلالات مغايرة بهدف التلبيس على الناس وتهوين شأن المعصية في نفوسهم , أو للهروب من الصفات المترتبة على انطباق بعض المصطلحات الشرعية في حق من يقترف ما يقتضي ذلك, ومن أمثلة ذلك ما توصف به فاحشة الزنا في بعض البلدان بأنها (تجارب عاطفية) , أو ما توصف به الخمر من أنها ( مشروبات روحية ) ,وقد ورد في بعض الأحاديث ما يفيد بوقوع مثل هذا الأمر في آخر الزمان كما في الحديث الذي رواه أبو أمامة الباهلي عن رسول ا صلى الله عليه وسلم أنه قال:) لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب فيها طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ) (1)

ومن المصطلحات الحادثة على مجتمعاتنا الإسلامية اليوم ما يعرف بمصطلح الليبرالية (LIBE r ALISM) , وهو في الأصل مصطلحا غربي المنشأ ، ويعرَّف بأنه: مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي" (2) ."

ولها تعريفات مرتكزها الاستقلالية؛ ومعناها: التحرر التام من كل أنواع الإكراه الخارجي؛ ثم التصرف وفق ما يمليه قانون النفس ورغباتها، والانطلاقة والانفلات نحو الحريات بكل صورها .

و بالرغم من أن هذه الفلسفة تنادي بتقديس حرية الفرد حتى ولو على حساب الدين أو العرف بل حتى الفطرة!مما يعني تعارضاً صريحاً مع شريعة الإسلام, إلا أنك تجد وللأسف في بعض بلاد المسلمين اليوم من يُصرِّح بكونه ( ليبرالياً ) أو نحو ذلك, ويحاولون تجاوز حقيقة المصطلح المصادم للشرع , وذلك عن طريق كثرة التغني بمفاهيم الحرية والمساواة و العدل وحقوق الإنسان , حتى يظن من يجهل حقيقة الدين أن هذه المفاهيم إنما هي وليدة هذه الفلسفة وأنها ليست موجودة في الإسلام , بل أن البعض ممن يتسمون بهذا اللقب يعتقدون أن مجرد التسمي به سوف يجعل الناس يقبلون كل ما يمارسه أو يدعو إليه, مستغلين ذلك البريق الزائف لهذا المصطلح .

و يأتي هذا المقال المتواضع إسهاما في تعرية هذا الزيف , و ذلك عن طريق محاولة وزن تلك الممارسات و الدعوات التي يمارسها هؤلاء ( الليبراليين ) بالميزان الشرعي , وكذلك بمحاولة إحلال المصطلح الشرعي بديلاً لمثل هذه المصطلحات الخادعة .

ولكن يبقى السؤال ما هو البديل الشرعي الأمثل لهذا المصطلح ؟

وللإجابة على هذا التساؤل فإني أعتقد أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى أبرز صفات و ممارسات ودعوات من يطلقون على أنفسهم هذا المصطلح , ثم ننظر هل وُجِد في عهد صلى الله عليه وسلم من يشابههم في شيء من ذلك, ثم ننظر إلى المصطلح الذي استخدمه صلى الله عليه وسلم للدلالة عليهم فنستخدمه ,

وبناءً على ذلك فإني سوف استعرض أبرز ممارسات ودعوات من يسمون أنفسهم ب ( الليبراليين ) , وسأحاول قدر المستطاع أن أكون دقيقاً في ما أنسبه إليهم مستشهداً على ذلك بجملة من مقالاتهم أو مواقفهم المعروفة و المشهورة , ثم أقارن بينها وبين ما وقع في عهد النبي صلى الله مما يشابهها, ومن ثَم سيتبين لنا جميعاً المصطلح الشرعي المناسب للحكم على هذه الممارسات والدعوات وأصحابها , فمن ذلك:

(1) دعوة الشعوب المسلمة إلى إلغاء الجهاد وعدم تدريس أحكامه بما فيها الشعوب المحتلة .

من أبرز دعوات الليبراليين في هذا الزمن دعوة الشعوب الإسلامية المحتلة إلى"التخلي عن خيار المقاومة نهائياً و الخروج من دوامة الحروب والقضية الفلسطينية , والجنوح الى السلام وقبول الأمر الواقع وإغلاق كل ملفات القتال"و القبول بالسلام بدون شروط , بل بما يراه العدو مناسباً بحجة"أن المهزوم يقبل ولا يفرض" (3) ,بل و ويوجهون أشد أنواع النقد لكل عمل من أعمال المقاومة والجهاد تقوم به تلك الشعوب (4) , و كذلك يدعون إلى إلغاء تدريس أحكام الجهاد بزعم أنه هو ( الأساس الذي يستغله المفجرون والمخربون ليجندوا أبناءنا الآن فيما يسمونه"جهادا (".(5) , وبقليل من النظر و التأمل فإننا نستطيع القول بأن هذه الدعوة قد وُجدت في عهد صلى الله عليه وسلم , فقد كان هنالك طائفة يقفون ضد مبدأ الجهاد ويرون أنه عمل لا مبرر له ويمتنعون عن المشاركة فيه, حتى ولو كان ذلك تحت راية أعظم إمام في التاريخ وهو رسول ا صلى الله عليه وسلم , فقد ورد في قصة غزوة أحد أن عبد الله بن أبي انسحب بنحو ثلث العسكر ـ ثلاثمائة مقاتل ـ قائلاً: ما ندري علام نقتل أنفسنا ؟!!! (6)

(2) النيل من رموز الأمة وعلمائها و التطاول عليهم بالسخرية والتنقص و التهم الكاذبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت