فهرس الكتاب

الصفحة 18940 من 27364

سؤال:

إذا كانت النصرانية الحقة قد جاءت بتوحيد الله تعالى ، وإفراده بالعبادة دون ما سواه من الخلق ، سواء كان عيسى أو غيره ، فكيف اختلطت هذه الديانة بالعقائد الشركية ، فاتخذوا عيسى عليه السلام ، وأمه إلهين من دون الله ؟.

الجواب:

الحمد لله

ليس من شك أن الدعوة إلى توحيد الله تعالى ، وإفراده بالعبادة دون ما سواه من الخلق ، هو أصل الرسالة التي جاء بها نبي الله عيسى ، عليه السلام ، كما أنها أصل الرسالة التي جاء بها سائر الأنبياء ، قال الله تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) النحل/36 وقال تعالى أيضا: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الانبياء/25

وعلى هذه الدعوة يشهد عيسى عليه السلام على قومه ؛ قال الله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) ، وأما كيف انحرف أصحاب هذه الديانة بعد ذلك عن التوحيد الخالص إلى العقائد الوثنية ، وعبادة عيسى وأمه من دون الله ، فهي قصة مبكرة في تاريخ النصرانية ، وسوف نورد هنا بعض الشواهد عليها ، من كلام أهلها ، وليسمع من له أذنان:

.. جاء في دائرة المعارف الأمريكية:

( لقد بدأت عقيدة التوحيد - كحركة لاهوتية - بداية مبكرة جدا في التاريخ ، وفي حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين . لقد اشتُقَّت المسيحية من اليهودية ، واليهودية صارمة في عقيدة التوحيد .

إن الطريق الذي سار من أورشليم [ مجمع تلاميذ المسيح الأول ] إلى نيقية [ حيث تقرر مساواة المسيح بالله في الجوهر والأزلية عام 325م ] كان من النادر القول بأنه كان طريقا مستقيما .

إن عقيدة التثليث التي أقرت في القرن الرابع الميلادي لم تعكس بدقة التعليم المسيحي الأول فيما يختص بطبيعة الله ؛ لقد كانت على العكس من ذلك انحرافا عن هذا التعليم ، ولهذا فإنها تطورت ضد التوحيد الخالص ، أو على الأقل يمكن القول بأنها كانت معارضة لما هو ضد التثليث ، كما أن انتصارها لم يكن كاملا . ) [ 27/294 ]

ويمكنك الرجوع إلى بعض آراء من لا يزالون يذهبون إلى التوحيد من المسيحيين ، في المصدر السابق نفسه ، دائرة المعارف [ 27/300-301 ] .

ويقول وول ديورانت:

( لما فتحت المسيحية روما انتقل إلى الدين الجديد [ أي المسيحي ] دماء الدين الوثني القديم: لقب الحبر الأعظم ، وعبادة الأم العظمى ، وعدد لا يحصى من الأرباب التي تبث الراحة والطمأنينة في النفوس ، وتمتاز بوجود كائنات في كل مكان لا تدركها الحواس ، كل هذا انتقل إلى المسيحية كما ينتقل دم الأم إلى ولدها .

وأسلمت الإمبراطورية المحتضرة أزِمَّة الفتح والمهارة الإدارية إلى البابوية القوية ، وشحذت الكلمة بقوة سحرها ما فقده السيف المسلول من قوته . وحل مبشرو الكنيسة محل الدولة .

إن المسيحية لم تقض على الوثنية ، بل ثبتتها ؛ ذلك أن العقل اليوناني عاد إلى الحياة في صورة جديدة ، في لاهوت الكنيسة وطقوسها ، ونقلت الطقوس اليونانية الخفية إلى طقوس القداس الرهيبة ، وجاءت من مصر آراء الثالوث المقدس ، ويوم الحساب ، وأبدية الثواب والعقاب ، وخلود الإنسان في هذا أو ذاك . ومن مصر جاءت عبادة الأم الطفل ، والاتصال الصوفي بالله ؛ ذلك الاتصال الذي أوجد الأفلوطينية واللاأدرية ، وطمس معالم العقيدة المسيحية . ومن بلاد الفرس جاءت عقيدة رجوع المسيح وحكمه الأرض لمدة 1000 ) . [ قصة الحضارة 11/418 ] .

وعلى الرغم من النفثة الإلحادية في كلام ديورانت ، وهو أمر معروف به ، والتي تظهر في زعمه أن أبدية الثواب والعقاب منقولة عن المصرية ، فإن تتبع الأصول الوثنية للنصرانية المحرفة لم يعد بالأمر الخفي ، ولم ينفرد هو ببحثه ؛ ففي كتابه"المسيحية والوثنية"يقرر روبرتسون أن الميثراثية ، وهي ديانة فارسية الأصل ، ازدهرت في بلاد فارس قبل الميلاد بنحو ستة قرون ، قد دخلت إلى روما حوالي عام 70 م ، وانتشرت في بلاد الرومان ، ثم وصلت إلى بريطانيا ، وانتشرت في العديد من مدنها .

وما يعنينا هنا من أمر هذه الديانة أنها تقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت