كانت كثير من الأمم تستعبد المرأة وتذلها، ومنهم العرب في الجاهلية، ولست أريد الإفاضة في الحديث عن ذلك فالأمر يطول، وإنما نكتفي بمثال عن عدة المتوفى عنها زوجها، فإن المرأة إذا توفي عنها زوجها تعتد حولاً كاملاً، وتحد عليه شر حداد وأقبحه، فتلبس شر ملابسها، وتسكن شر الغرف، وهو ما يسمى بالحفش وهو بيت صغير مظلم داخل البيت، وتترك الزينة والتطيب والطهارة، فلا تمس ماء، ولا تقلم ظفراً، ولا تزيل شعراً، ولا تظهر للناس في مجتمعهم طيلة عام كامل، فإذا انتهى العام خرجت بأقبح منظر، وأنتن ريحه، فتؤتى بدابة حمارٍ أو طير فتقتفي به- أي تمسح به قبلها- فلا يكاد يعيش ما تقض به، بل يموت من شدة نتنها وريحها، ثم تنتظر مرور كلب لترمي عليه بعرة احتقاراً لهذه المدة التي قضتها، وتعظيماً لحق الزوج عليها، ففي الصحيحين عن أم سلمة- رضي الله عنها- قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: (( لا.. مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: لا، ثم قال- صلى الله عليه وسلم: (( إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ) ).