فهرس الكتاب

الصفحة 23898 من 27364

سامي بن عبد العزيز الماجد * 23/4/1424

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

كلمة:"كفر...كافر...كفار"وصفٌ شرعيٌ جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وليست كلمةً نابيةً بذيئةً يستخرجها السفهاء من قاموس الهجاء.

ومنزع خطورة إطلاقها من جهة كونها وصفاً شرعياً يقتضي أحكاماً شرعيةً، فإذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه.

فلولا أنها وصفٌ شرعيٌ لما جاوزتْ في خطورتها ألفاظَ السِّبابِ والهجاء.

وإذا تقرَّرَ أن كلمةَ (الكفر) هي من مصطلحات هذا الدين، لم يكن لنا سبيلٌ إلى أن نُسقطَها من (مفرداته) ، أو نجردَ منها خطاباتِه، فها هو القرآنُ لا يكاد يخلو من هذه الكلمة ومشتقاتِها في سورة من طوال سوره، أو جزءٍ من أجزائه.

إنّ الذين يحاولون أن يُلغوا أمرَ التكفير من شريعة الإسلام إنما يحاولون عبثاً، ويستنزفون جهداً في غير طائل.

أما نحن فممنوعون من هذا العبث، لا لأنّه عبثٌ لا جدوى منه، ولكنْ لأنَّه يمسُّ أمراً من منهج الإسلام لا ينفك عنه.

وليفطِنْ من يحاول هذا العبث إلى أنّ إثمَ إلغاءِ مبدأ التكفير من شريعة الإسلام أعظمُ بكثير من إثم الخطأ في التكفير، فالأول كفرٌ مبينٌ يحاكي فعل اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وأمّا الخطأ في التكفير فكبيرة لا تُخرج من الملة.

وكل ما هنالك مما يتعين علينا فعله تُجاه قضية التكفير هو أن نضبطَ إطلاقاتهِ، ونحددَ الطوائفَ التي لا يسعنا إلا تكفيرها، مع ضرورة التحذير من إطلاق التكفير من غير تثبت.

فأما الذي لا يجوز التورعُ في تكفيرِه فهو الكافرُ الأصلي، الذي وُلد على الكفر ولم يدخل في الإسلام، فهذا كافرٌ لا شكَّ في كفره بإجماع العلماء، كاليهود والنصارى والمجوسِ والذين أشركوا.

فهؤلاء لا يُذم من كفّرهم، ولا يُمدح من تورَّع عن تكفيرهم.

وإذا بلغ بنا التحذيرُ من التكفير إلى أن نتردد أو نشك في كفر هؤلاء، فهذا إفراط في تحاذر التكفير لا يُقِرُّه الشرع، فضلاً عن أن يثني عليه.

لقد بُعث صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، ونزل الإسلام ناسخاً للشرائع، وجعله الله الدينَ الذي لا يُقبل غيرُه، ولا يسع أحداً الخروج عنه، ولو كان ديناً سماوياً، (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) . [ آل عمران:85 ] .

وقال صلى الله عليه وسلم"والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌ ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"، وقال:"والذي نفسي بيده، لو كان موسى حيَّاً ما وسعه إلا اتِّباعي".

هذه المسألة أَدخلُ في باب البدهيات من أن تحتاجَ إلى إفاضةٍ، أو تحتمل إسهاباً، لولا أننا سمعنا من يجادل فيها ويبثُّ حولها الشُّبه.

وكم هو مؤسفٌ أن تجد من المسلمين من يشكّ في كفر اليهود والنصارى، ومدخل هذا الشكِ من شُبهةٍ يروِّجها بعض الملتاثين بلوثات الفلسفة، وهي: أن الحقّ أمر نسبيٌ، فقد تعتقد الحق في شيء غيرُك لا يعتقده.

ومؤدى هذه الشبهة: أن أحداً لا يملك الحقيقةَ المطلقة، لا المسلمُ ولا غيرُه، فإذا كنت تعتقد أنك على الحق، فغيرك من الملل الأخرى يعتقد أنه كذلك، فبأي حق ـ في زعمهم ـ تحتكر أنت الحقيقة ؟.

ولا يتشرَّب هذه الشبهة إلا مَن يعامل القرآن مجرَّداً من قدسيته، لا يعدو أن يكون في نظره كتاباً من تلك الكتب التي تقبل الرد وتخضع للنقد.

وتصل هذه الشبهة بصاحبها إلى أن يشكَّ في كفر غير المسلم، وتبدأ تضعف في نفسه القناعةُ، ويتزعزع يقينه بأنه على الحق وأن الكفار على الباطل.

وهكذا غدَتْ كلمةُ الكفر من الكلماتِ النابيةِ البذيئةِ لدى هؤلاء المنهزمين، فهم يتحامون وصفَ الكفَّار بها، وبخاصّةٍ ما يسمى بـ"النخبة المثقَّفَة"، فاستبدلوا بهذا الوصف الشرعي للكفَّار وصفاً مُحدَثاً ينفي الإسلام لكنَّه لا يُثبتُ الكفر بمنطوقه، فسَمَّوا الكفارَ بـ"غير المسلمين"، ثم انتشرت هذه التسمية بين العامَّة، وكاد يُهجرُ المصطلح الشرعي"الكفار".

إن تسمية أتباع الملل الأخرى بـ"الكفار"تتضمن في دلالتها الحكمَ على دياناتهم بالبطلان وعدم الاعتبار، في حين أن تسميتهم بـ"غير المسلمين"لا تتضمن هذه الدلالة الشرعية المهمة، فهي لا تزيد على أن تكون نفي نسبة، ويبقى ما يقتضيه هذا النفي من الحكم عليهم بالضلال وبطلان الدين مستفاداً من دلالة الشرع لا من اللفظ ذاته.

وهذا الاستبدالُ وإنْ كان لا يُخلُّ بعقيدة البراء، بل ولا يبلغ حتى درجة التحريم، لكنَّه استبدالٌ له دلالاتُه وإيحاءاتُه على الحالة النفسية للمتلفظ بها، لا سيما أولئك الذين يَعُوْنَ دلالات الألفاظ من أهل الفكر والأدب، فهم لا يستبدلون هذا بذاك عبثاً ولا سهواً، ولكن لحرجٍ يجدونه في أنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت