إنَّ كلمةَ"غير المسلمين"ليست هي الأصلَ في وصف الكفار، فلا ينبغي أن يُجعلَ الاستثناء أصلاً والأصل استثناءً، والأولى أَلاَّ تُستعملَ إلاّ حيثُ يَحسُنُ استعمالها، وذلك حين يتوجه الخطابُ للكفار في مناظرةٍ أو دعوةٍ؛ لأنَّ الحالَ تقتضي اللينَ والترفُّقَ تأليفاً وترغيباً.
أمّا ما عدا ذلك؛ فينبغي الإبقاءُ على الأصل، وهو وصفُهم بما وصفَهم اللهُ به، لا يمنعه خجلٌ ولا وجل.
على أن الأمر بتكفير الكفار يقتضينا التذكير بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن كوننا نعتقد كفر اليهودي أو النصراني أو الوثني فهذا لا يعني أنه مستلبُ الحقوق مهضومُ الكرامةِ الإنسانية، إنما معناه أن نعتقد أننا على الحق وهو على الباطل بيقين لا يداخله شك. وأعظم حقٍّ له علينا أن ندعوه إلى هذا الحق الذي هُدينا إليه.
الأمر الثاني: لا يلزم من اعتقادنا كفرَ الكافر أننا نحكم عليه بالنار بإطلاق، فالكفار على حالين:
كافرٌ بلغته دعوة الإسلام وقامت عليه الحجة، فهذا إذا مات على كفره كان مصيره إلى النار خالداً مخلداً فيها أبداً.
وكافرٌ لم تبلغْهُ دعوةُ الإسلام، أو سمع بها لكن لم تقم عليه الحجةُ، فهذا في حكم أهل الفترة، وأمره إلى الله ولا نحكم عليه بالنار؛ لأن الله قال: (وما كنا معذبين حتى نبعثَ رسولاً) ، لكنه يظل في اعتقادنا كافراً ضالاً، تجب البراءة منه، ولا يجوز الترحم عليه، ولا الاستغفار له، ولا احترام معتقدِه.
الأمر الثالث: في تكفير أهل الملل الأخرى يكفي مجرد اعتقاد كفرِهم، أما إطلاقُ الكفر عليهم باللسان؛ فغير واجب، ولو مات المسلم ولم يقل لكافرٍ:"يا كافر"لما سُئل عن ذلك في قبره، ولما عُوقب عليها عند بعثه.
ويتحصّل مما سبق: أن موضع خطورة التكفير إنما هو في تكفير من نشأَ في بلاد الإسلام، أو وُلد من أبوين مسلمين، أو أحدهما مسلم، فالأصل في هذا أنه مسلمٌ، ولا يُنتقل من هذا اليقين إلا بيقين، فلا يجوز تكفيره ولو بلغت ذنوبه عنان السماء، ولو قتل مسلماً، أو أتى شيئاً من أفعال الحرابة، فهي كبائرُ لا تبلغ حدَّ الكفر.
فقد قال صلى الله عليه وسلم"أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعتْ عليه"متفق عليه.
فإذا كنا نأمر بالتثبُّتِ في تكفير من أتى كفراً لاحتمال شبهة تعتور حالَه، فكيف بمن لم يرتكب إلا كبيرةً لا يكفر بها بالإجماع ولو لم يكن له فيها عذر أو شبهة؟
إن الحرابةَ بالسعي في الأرض بالفساد وترويعِ الناس كبيرةٌ يستحق به فاعله حدَّ الحرابة، ومن رمى الناس بالكفر من غير بينةٍ فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً، غير أنّ ذلك كلَّه لا يسوِّغ لنا أن نكفِّره لأجل أنه يكفِّر الناسَ، أو لأنه يسعى في الأرض فساداً، فهذا تراشق بالاتهامات يربأ عنه العقلاء.
أحياناً تبلغُ بنا سَورةُ الغضب إلى أن نحاربَ التكفير بالتكفير وليس بالحث على التأني والتفكير، فنكون قد سعينا في نشرِ فكر التكفيرِ من حيث لا نشعر. واذا بنا نمارس تبادلَ الأدوار مع أولئك التكفيريين، فنقع فيما حذرْنا منه، وهذا من أقبح الخصال التي ينأى عنها الكرام
لا تنه عن خُلقٍ وتأتيَ مثلَه … …
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
إن في وسعنا أن نقول عن أولئك الذين سعوا في الأرض فساداً، وقتلوا الأبرياء، وروَّعوا الآمنين: إنهم مجرمون، مفسدون، باغون، معتدون، غير أنه ليس في وسعنا أن نكفِّرهم.
وبشاعةُ جُرمهم لا تضطرُّنا إلى أن نستظهرها بالتكفير، فهي ظاهرة يستبشعُها كلُّ سَوِيٍّ.
لا أقول هذا دفاعاً عن هؤلاء، فهم لا يحتاجون دفاعاً من أحد، وتكفيرهم لا يضرُّهم، فقد أفضوا إلى ما قدموا، إنما أمرهم إلى الله.
بل أقوله صيانةً لألسنتنا أن تزلّ في هُوة التكفير، فتحتقب الإثم العظيم، وأذكّر به عملاً بمنهج الحق الذي أُمرنا أن نلتزِمَه في شأنِنا كلِّه: في الغضب والرضا، ومع الأقربين والأعداء، ومع المظلومين والظالمين.
(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرِضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً)
وقد يكون الشخصُ فقيراً، فتتحرك مشاعرُ الشفقةِ والرحمةِ في قلب المرء وتدفعه إلى أن يشهد له بإطلاق ـ سواء كان ظالماً أو مظلوماً ـ معاونةً لضعفه، أو يشفقَ أن يشهد ضدَّه لأجل أنه فقيرٌ، أو لأن خصمه غني.
ولكن الآية تَردّ هذه الشفقة، فليست هذه من مواطنها التي تُمدح فيها: (إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) ، ولذا لا يجوز أن تدفعَنا الرحمةُ والحزن على قتيل مظلومٍ إلى أن نكفِّرَ القاتل الظالم.
هذا ما كان من شأن التكفير، واتصاله برسالة الإسلام.
وأما الحوار فسيأتي الكلام عنه لاحقاً إن شاء الله .
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلام
التكفيروالحوار..كلاهمامن الإسلام! (2/2)
سامي بن عبد العزيز الماجد * 14/5/1424