فهرس الكتاب

الصفحة 25637 من 27364

الزمان/ الأربعاء 19 رجب - 618هـ

المكان/ ثغر دمياط ـ الديار المصرية

الموضوع/ المسلمون بقيادة الملك الكامل الأيوبي يطردون الصليبيين من دمياط

الأحداث/ راج عند كثير من الناس أن الدافع وراء الحملات الصليبية المتتالية على بلاد المسلمين قرابة القرنين من الزمان هو سلب ونهب خيرات تلك البلاد، وهذا رغم أن شعار هذه الحملات كان الصليب، ذلك لأن أعداء الإسلام من أذناب الغرب استغلوا جهل كثير من المسلمين بتاريخ أمتهم، وروجوا عليهم هذه الأباطيل والأكاذيب، ويكفي أن نعرف أن الذي أشعل فتيل الحملة الصليبية الأولى سنة 491هـ على بلاد المسلمين هو بابا الفاتيكان 'أوربان الثاني'، وكل الحملات التالية كان الذي يأمر بتحريكها هو باب الفاتيكان، وكان بمثابة القائد الأعلى للقوات المسلحة الصليبية في أوروبا؛ فكان يعزل من يشاء ويعين من يشاء، بل كان يعاقب من يتوانى ويتكاسل في حرب المسلمين؛ بل كان هم الباباوات الأكبر في تلك الحقبة من الزمان هو مواصلة الحملات الصليبية على بلاد المسلمين، وكل بابا يوصي من بعده بمواصلة الجهاد المقدس ضد المسلمين! حتى كانت حملتنا التي سوف نتكلم عنها.

أمر الباب 'أوسنت الثالث' بشن الحملة الصليبية الخامسة على ديار الإسلام في فترة تعد عصيبة على المسلمين؛ حيث دب بينهم الخلاف، فأرسل البابا إلى ملوك أوروبا الصليبيين فجاءوا جميعًا لنيل هذا الشرف، وتحركوا بجيوش جرارة عبر البحر المتوسط حتى وصلوا إلى عكا التي كانت ما زالت تحت حوزتهم، فلما وصلت الأخبار إلى الملك العادل الأيوبي ـ وكان ملكًا على مصر والشام ـ وقد حمل الراية بعد أخيه صلاح الدين، توجه هو وابنه عيسى الملقب بـ 'المعظم' لمنع الصليبيين من التقدم في بلاد الشام، فنزل في منطقة بيسان من الأردن، فوجد العادل أن جيوش الصليبيين ضخمة جدًا، وجيشه صغير، فآثر أن يتراجع إلى دمشق حتى ينظم قواته، وتنضم إليه الجيوش المصرية، ولم يتسرع في الاصطدام مع الصليبيين.

دخل الملك العادل دمشق وحصنها، وأرسل إلى باقي ملوك المسلمين للنصرة، وأرسل ولده المعظم عيسى لحفظ بيت المقدس من هجوم الصليبيين عليه؛ لأنه الأهم عندهم وعند المسلمين، ثم تقدم الصليبيون وحاصروا قلعة الطور، فدافع عنها أبطال المسلمين دفاعًا هائلاً حتى اضطر الصليبيون للرجوع عنها والتوجه للديار المصرية عن طريق البحر، وجعلوا جهتهم إلى مدينة 'دمياط' فوصلوا إليها في شهر صفر سنة 615هـ، وضربوا عليها حصارًا شديدًا طيلة أربعة شهور متواصلة قتالاً ليل نهار، وكان على النيل برج كبير منيع، اسمه 'برج السلسلة' لأنه كان فيه سلاسل حديدة ضخمة بين طرفي النيل، وهي بمثابة القفل للديار المصرية، ولولا هذا القفل لكانت مراكب العدو لا يقدر على منعها أحد من أقاصي ديار مصر وأدانيها، وكان الملك الكامل محمد بن العادل هو الذي يتولى حفظ دمياط ويباشر قتال الصليبيين بنفسه، وبعد أربعة أشهر من القتال المتواصل ملك الصليبيين برج السلسلة، وقطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم، فنصب الكامل جسرًا عظيمًا لتمنع مرورهم، فقاتلوا عليه حتى قطعوه، فأخذ الملك الكامل عدة سفن كبار وخرقها وغرقها في النيل ليسد به مجرى النيل، فلما رأى الصليبيون ذلك قصدوا خليجًا هناك يعرف بالأزرق، كان النيل يجري عليه قديمًا، فحفروا ذلك الخليج وأجروا الماء فيه، ثم سارت فيه سفنهم، كل ذلك والكامل يواصل معهم القتال والطعن والضرب، ولما وصلت أخبار استيلاء الصليبيين على برج السلسلة للملك العادل وكان في مرج الصفر، تأوه لذلك تأوهًا شديدًا، ودق بيده على صدره أسفًا وحزنًا على المسلمين وبلادهم، ومرض من ساعته مرض الموت لأمر يريده الله - عز وجل -، فلما كان يوم الجمعة 7 جمادى الآخر توفي - رحمه الله -، وكانت هذه الوفاة سببًا في ضعف المسلمين كما سنعلم.

لما مات الملك العادل - رحمه الله - اضطربت الأمور جدًا في بلاد المسلمين، وكان من المفترض أن يتولى ابنه الأكبر الملك الكامل محمد، الذي كان يتولى قتال الصليبيين في دمياط، وهنا ظهر أمير يقال له 'أحمد بن المشطوب' اتفق هذا الأمير على خلع الكامل وتولية أخيه الفائز مكانه ليصير الحكم إليهم عليه وعلى البلاد، فبلغت هذه الأخبار للكامل في دمياط، ففارق موقعه ليلاً وتوجه سريعًا إلى القاهرة ليضبط الأمور قبل استفحال الفتنة، وأصبح العسكر فلم يجدوا قائدهم معهم، فركب كل إنسان هواه، ولم يقف الأخ على أخيه، وفروا جميعًا وتركوا معسكرهم بما فيه من سلاح ومؤن، ولما أصبح الصليبيون لم يجدوا أحدًا من جنود المسلمين أمامهم في المعسكر، فاسترابوا في الأمر، فلما علموا الخبر عبروا النيل ودخلوا دمياط آمنين بلا منازع ولا ممانع، وغنموا ما في معسكر المسلمين، وكل ذلك بسبب فعلة ابن المشطوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت