عندما استولى الصليبيون على معسكر المسلمين أحاطوا بمدينة دمياط وقاتلوا أهلها برًا وبحرًا، وعملوا عليهم خندقًا يمنعهم من إمدادات المسلمين، واستمات أهل دمياط في الدفاع عنها، ولكن المصيبة جاءت من طرف الأعراب، عليهم غضب الله ومقته، حيث اجتمعت قبائل الأعراب عندما سمعوا بحصار الصليبيين على أهل دمياط ووقع أهل دمياط بين نارين؛ نار الصليبيين ونار الأعراب فاضطروا في النهاية للاستسلام، فغدر بهم الصليبيون وأمعنوا فيهم القتل والأسر، وفر الباقي ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أما الملك الكامل فلما دخل القاهرة ضبط الأمور، وهرب ابن المشطوب وفشلت خطته، ولم يلبث إلا يسيرًا حتى أهلكه الله - عز وجل - جزاءً وفاقًا لما تسبب فيه للمسلمين، ثم أرسل الملك الكامل رسالة عاجلة لإخوانه ملوك الإسلام، قائلاً فيها: 'الوحا الوحا! العَجَل العَجَل! أدركوا المسلمين قبل أن يملك الصليبيون جميع أرض مصر' فأقبلت الجيوش الإسلامية من كل بلاد الشام لنصرة المسلمين.
أما الصليبيون فلما تملكوا دمياط أقاموا بها وبثوا سراياهم في كل ما جاورهم من البلاد ينهبون ويقتلون، وشرعوا في عمارتها وتحصينها، وبالغوا في ذلك، ولما سمع الصليبيون في أوروبا ذلك أقبلوا يهرعون من كل فج عميق، وأصبحت دمياط دار هجرتهم، وقد حولوا جامع المدينة الكبير إلى كنيسة، ولم يكن هذا هو البلاء الوحيد الواقع على المسلمين وقتها، بل إن بلاد الإسلام كلها كانت تحت هجمة شرسة؛ فالتتار من ناحية المشرق قد وصلوا إلى نواحي العراق وأذربيجان، ومن ناحية المغرب استولى الصليبيون على في الأندلس على معظم بلاد المسلمين، ولم يبق للمسلمين سوى غرناطة فقط، وأشرف المسلمون وبلادهم على خطة خسف وهلاك في شرق الأرض ومغربها ووسطها.
ظل أمر المسلمين في اضطراب واختلاف أكثر من ثلاث سنوات، والعدو مستحكم في دمياط، وكثرت أعداءهم بشدة، وأصبحت دار هجرة للصليبيين حتى أذن الله - عز وجل - بلطف على المسلمين، واتحدت كلمة الأخوة الثلاثة الكامل والأشرف والمعظم أبناء الملك العادل - رحمه الله -، وفي الوقت المناسب لأن الصليبيين قد عزموا على محاربة الكامل وأخذ باقي الديار المصرية، وقد خرجوا بجميع جيوشهم من دمياط، ووصل الملك الأشرف واتحدت جيوشه مع جيوش أخيه الكامل في مقابلة الصليبيين عند نقطة من النيل اسمها 'بحر أشمون'، وحدث قتال بين الفريقين، واستطاع المسلمون كسب الجولة الأولى من القتال، فقويت نفوسهم وحميت عزائمهم على عدوهم الذي بدأ يغير وجهة نظره، وبدأ في التصالح مع المسلمين، خاصة وأن الكامل ـ غفر الله له هذه الزلة ـ قد عرض عليهم إعطائهم بيت المقدس وعسقلان وطبرية، وكل السواحل التي فتحها صلاح الدين بسيفه وبدمه ودماء المسلمين مقابل أن يرحلوا عن دمياط، ولكن الصليبيين طلبوا ثلاثمائة ألف دينار إضافة لما سبق، فرفض المسلمون العرض، وواصلوا القتال، وكان الفرنج لثقتهم الزائدة في النصر لم يأخذوا معهم المؤمن الكافية لمواصلة القتال، فعبرت مجموعة فدائية من أبطال المسلمين إلى معسكر الصليبيين وفجروا سدود النيل، ففاض الماء على المعسكر الصليبي ولم يبق للفرنجة جهة يسلكونها إلا من جهة واحدة كان يسدها عليهم الكامل والأشرف بجيوش المسلمين، ولم يبق لهم خلاص، وحاول الصليبيون في أوروبا إرسال معونات لإخوانهم الصليبيين المحاصرين في دمياط، وذلك من خلال سفينة ضخمة محملة بالسلاح والمؤمن، ولكن أسطول المسلمين استطاع أسر هذه السفينة وغنم ما عليها، وعندها أيقن الصليبيون الهلاك والعطب، وكشرت سيوف المسلمين عن أنياب المنايا، وذلت نفوس الصليبيين، وتنكس صليبيهم وخذلها شيطانهم، فأرسلوا للصلح مع الملك الكامل على أن يخرجوا من دمياط بلا عوض، ولكن يأمنهم على حياتهم، وبالفعل تم الصلح، دخل المسلمون دمياط في 19 رجب سنة 618 هـ، وعاد الصليبيون إلى بلادهم خائبين خاسرين لم ينالوا شيئًا.
من المواقف الرائعة حقًا في هذه الحملة الصليبية الخامسة أنه أثناء حصار المسلمين للصليبيين كان يخرج كل يوم من معسكر الصليبيين كلب صليبي حاقد يشتم ويسب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأفظع السباب، وجعل هذا ديدنه كل يوم، وبعد أن تم الصلح وخرج الصليبيون من دمياط دارت الأيام وتم أسر هذا الكلب الصليبي الحاقد في الشام، وعرفه الملك الكامل عندما رآه، فأمر به فحمل إلى المدينة النبوية ليذبح أمام الحجرة النبوية الشريفة، وفي يوم الجمعة على مشهد ومسمع من الجميع؛ جزاءً وفاقًا لهذا الصليبي الحاقد، والحمد لله رب العالمين.