طارق ديلواني / عمان 3/10/1426
في موازاة أدوار الأردن الخارجية في العراق وفلسطين، ثمة حراك سياسي داخلي أصبح حديث الساعة لدى الأردنيين المقبلين على تغيّرات بمعنى الكلمة، فيما يتعلق بالسياسة الداخلية الأردنية؛ وفقاً لمتغيرات الخارج .
اليوم يدور الحديث في الأردن عن عدة أجندات داخلية سترسم شكلاً جديداً لهوية الأردن، وستفرز تبعات جديدة لحالة الاستقطاب والحراك في الشارع الأردني بشكل يبعث على التفاؤل والتشاؤم معاً.
فثمة إصلاح للإعلام، وتقسيم للمملكة إلى أقاليم، وثمة تغوّل لإرادة البنك الدولي، وسياسات التصحيح الاقتصادي، وثمة خطط لإعادة إحياء العلاقات مع"إسرائيل"على أسس جديدة غير اتفاقية وادي عربة الموقعة في 1994، فضلاً عن تبني نموذج اقتصادي محدد، وإعادة هيكلة الأردن بأكمله وفق منظور أمريكي خالص!
منذ سنوات بدأت شعارات الإصلاح تأخذ لها مكاناً في الشارع الأردني مطعمة بحديث كبير عن إصلاح شامل يتناول كافة مناحي الحياة بما يضمن إعادة قولبة الحياة في الأردن لتنسجم مع المتغيرات السياسية والإقليمية.
أبرز هذه الأجندات تلك التي تتعلق بتقسيم الأردن إلى أقاليم أقرب إلى نموذج"الحلم الأمريكي"، إضافة إلى أجندة إعادة هيكلة الإعلام الأردني بما يتناسب مع حجم دور الأردن الاقليمي واشتعال الساحة في كل من العراق وفلسطين.
اقتصاديا ثمة توجّه بتحويل الأردن إلى سنغافورة الشرق الأوسط، وعلى الأرض ثمة ما يشير إلى تسارع وحمى اقتصادية سبقت حتى ثورة الاقتصاد في دبي من تضخم لسوق العقارات والاستثمارات والاستقطاب الاقتصادي ومحاولة إنعاش اقتصاد بلد صغير من لا شيء.
ولا يمكن لنا إلا الربط بين الأجندة الداخلية هذه وتلك الخارجية مع قضايا التوطين، والوطن البديل، وقضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يضم الأردن أغلبهم على أراضيه.
ببساطة تمثل الأردن الحليف القوي للولايات المتحدة والنموذج الأمثل للسياسات الأمريكية في المنطقة عربياً بكل المقاييس، والمطلوب أن يتم تفكيك الدولة الأردنية
وإعادة صياغتها وهيكلتها، وهو أمر يحدث وسيحدث في باقي الدول العربية الأخرى قريباً. فهل أخفق المشروع الأمريكي في العراق حتى يُسوّق اليوم في بلادنا؟!
إن أخطر ما يُرسم من أجندة داخلية للأردن هو تفكيك مؤسسات الدولة الأهلية منها والحكومية وعلى رأسها النقابات المهنية - وتحديداً نقابة الصحفيين- التي باتت تشكل في السنوات الأخيرة الحصن الأخير في وجه حملات التطبيع والتمييع والأمركة للأردن ..
فقبل سنوات كان إعلام الحكومات الأردنية هو السائد والمسيطر فيما كان يقبع الرأي الآخر في المجهول وسط غياب المهنية والموضوعية وشيوع الأعطيات الحكومية والتملق والنفاق والمحاباة والاسترضاء.
..لكن مع خُطا الإصلاح في الأردن أصبح لزاماً على الإعلام الرسمي أن يتراجع لصالح مزيد من الانفتاح والحريات الإعلامية الأمر الذي يفسر حُمّى النشاط الإعلامي في الأردن الذي يعجّ هذه الأيام بعشرات الفضائيات والمحطات الإذاعية والمواقع الإلكترونية والصحف اليومية والأسبوعية والمجلات ..الخ.
إلا أن هالة هذا الانفتاح الإعلامي ظلت حبراً على ورق، ومجرد شكليات لا تأثير لها بالنظر إلى حقيقة ما يُراد من وراء دعوات الإصلاح الإعلامي هذه.
مؤخراً تصاعد الحديث في الأردن عن مشروع أمريكي «لتطوير» الإعلام الأردني!
وهو حديث جد خطير لا يمكن فهمه إلا على أساس أن ثمة محاولات لـ"أمركة"الإعلام الأردني ليصبح رأس حربة في تمرير الرؤية والمشروع الأمريكيين في المنطقة، والتبشير بالديموقراطية الأمريكية الزائفة بل، وتجميل وجه أمريكا القبيح جنباً إلى جنب مع"كارين هيوز"مستشارة الرئيس الأمريكي جورج بوش لشؤون الشرق الأوسط!
وتحت ذرائع إعادة الهيكلة والتطوير تبنت لجنة الأجندة الوطنية، وهي لجنة مدعومة من القصر الملكي، و تضطلع بدور خطير في رسم السياسة الداخلية الأردنية، تبنت الدعوة إلى إلغاء إلزامية العضوية في نقابة الصحفيين الأردنيين وإلغاء المجلس الأعلى للإعلام مما حدا بالكثير من إعلاميي الأردن أن يضعوا أياديهم على قلوبهم خوفاً من الآتي المجهول.
وفي خضم هذا الحراك برز دور كثير من"مراكز التمويل الأجنبي"التي تتلقى تمويلاً من الولايات المتحدة والدول الغربية لدعم هذه التوجهات في محاولة منها للسيطرة على الجسم الإعلامي في الأردن بدعاوى خصخصة الإعلام وإصلاحه وإعادة هيكلته.
في موازاة ذلك ..ثمة خطة طرحتها الحكومة الأمريكية بشكل علني لإعادة تطوير الإعلام الأردني، ورصدت لهذا المشروع ستة ملايين دينار، و طُرِح العطاء في إعلان نُشر في صحف يومية.
أولى خطوات تحرير الإعلام الأردني كانت بتحرير الجسم الإعلامي وإلغاء كافة الجهات المشرفة عليه على المستويين الرسمي، وعبر مؤسسات المجتمع، وذلك بإلغاء إلزامية عضوية نقابة الصحفيين، وإلغاء المجلس الأعلى للإعلام، بمعنى آخر عدم السماح بوجود جهات إشرافية وتنظيمية للإعلام الأردني.