الاستشراق الأمريكي .. طبيعته وخلفياته
د/ رشيد بلحبيب
مقدمة
مازال موضوع الاستشراق الشغل الشاغل للمثقف العربي الذي تحول فجأة - مع أمته- من ذات دارسة مستكشفة، إلى موضوع تحت المجهر والتشريح، وما زالت الحاجة تدعو- وبإلحاح يزداد مع الأيام - إلى دراسة الاستشراق وخطاباته عبر تحولاته، دراسة فاحصة متعمقة للوقوف على تفصيلاته الدقيقة وخلفياته المحجبة، في أفق ما يسمى بالعولمة، حيث أصبح العالم قرية تحكم بالنار والحديد، تضخمت فيها إمبراطوريات الشركات العابرة للقارات حتى أصبحت تتحكم في الدول بعد أن سلبتها السيادة، في عالِم سيطرت فيه الديمقراطيات الميكانيكية، وطغت فيه المعلوماتية، وفقدت فيهِ القيم القانونية والإنسانية والأخلاقية، وتسلط فيهِ الشمال/ الغرب، على الجنوب / الشرق، بعد أن استنزفه واستعبده، ويسعى حاليا إلى تدمير هويته وطمس خصوصياته الدينية واللغوية والحضارية، باسم العولمة.
"لقد حدد الغرب الشرق كوحدة من النواحي الجغرافية والثقافية والاجتماعية ، عبر تقسيم معين للواقع الإنساني، يوحي ضمنا بهوية صانع مفهوم الشرق، وبذلك فإن الغرب بتحديد ما هو شرقي بالنسبة إليه، إنما يأخذ بمعيار من إنتاجه لمفهوم الاستشراق، هو الجغرافيا والتاريخ والأوضاع الخاصة بتلك الوحدة / الشرق ، التي يتم النظر إليها على أنها تختلف اختلافا بينِّا عن الغرب" (1)
وبالرغم من تعدد التحديدات التي وضعت للاستشراق، إلا أنها لا تكاد تخرج عن دلالات ثلاث
1-دلالة أكاديمية: فكل من يقوم بتدريس الشرق أو الكتابة عنه، فهو مستشرق، ويسمى فعله استشراقا.
2-أسلوب من الفكر القائم على تمييز وجودي = انتروبولوجي، ومعرفي = ابستمولوجي بين الشرق والغرب.
3-أسلوب غربي للسيطرة على الشرق واستبنائه وامتلاك السيادة عليه، وهو مذهب سياسي مورس إداريا على الشرق. (2)
ومع أن مصطلح الشرق / الرقعة، يضم العالم العربي في آسيا وإفريقيا وصولا إلى الهند والصين ومناطق ما وراء البحار، إلا أن الموضوع سيعنى بمعالجة ما يخص العرب والإسلام في المنطقة العربية، أي ما اصطلح الاستعمار/ الاستشراق على تسميته شرقا أوسط .
لقد كان في طليعة الذين قصدوا الشرق كموضوع للمعرفة ، وكميدان للنشاط العلمي، ولا سيما في القرن التاسع عشر ، شخصيات غربية من الخاصة (رحالة ومغامرون ومبشرون وجامعيون ورجال أعمال وعسكريون ولغويون وانتروبولوجيون ومؤرخو الحضارات وأركيولوجيون وموظفو الدوائر الحكومية) وقد أسهم بعض هؤلاء في التعرف على المواقع المحتواة، أو المرشحة للاحتواء، وأضيف إليهم منذ أوائل القرن العشرين: التربويون ورجال المخابرات والمؤرخون الاقتصاديون ومتدربو الشركات وخبراء الأسواق التجارية والسياسية وذوو النوايا الطيبة من المهتمين بحوار الشرق والغرب، وعلاقة المسيحية بالإسلام (3)
تقترب البدايات الاستشراقية التمهيدية من أن تكون محاولات وأعمالا فردية يمتزج فيها العلم بإنتاج الصور الغرائبية والأساطير والخرافات عن عالم الشرق، أما البداية الرسمية للاستشراق فيؤرخ لها اعتبارا من صدور"قرار مجمع فيينا الكنسي"عام 1312م، بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في اللغات العربية واليوناينة والعبرية والسريانية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا ...
وبدأ يزدهر بصورة جدية في فترة ما يسمى: عهد الإصلاح الديني في أوربا خلال القرن السادس عشر، وقد سجلت الموجة الأولى من الانتشار الجدي للاستشراق تشكيل جمعيات استشراقية ( باتافا 1781م، الجمعية الملكية الآسيوية بلندن 1843م، الجمعية الآسيوية بباريس 1822م، الجمعية الأمريكية الشرقية 1842م)
وفي المرحلة الثانية ظهرت مؤتمرات المستشرقين التي انعقد أولها بباريس عام 1877م، وتجاوز عددها حتى الآن ثلاثين مؤتمرا. (4)
وعلى الرغم من أن الاستشراق يمتد بجذوره إلى ما يقرب من ألف عام مضت، فإن مفهوم مستشرق o r ientalist لم يظهر في أوربا إلا في نهاية القرن الثامن عشر، فقد ظهر أولا في إنجلترا عام 1779م وفي فرنسا 1799م، وأدرج مفهوم الاستشراق في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام1838 م (5) .
ثم عرف الاستشراق أوجه عبر تضخم مؤسساته، وتعدد مناهجه، وتنوع مشاربه وغاياته ليبدأ بعد ذلك في الانحسار، في شكله التقليدي
1-انحسار الاستشراق التقليدي وظهور الاستشراق المعاصر:
أ - انحسار الاستشراق التقليدي
لقد عاش الاستشراق أزهى فتراته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ...وشهدت تلك الفترة جيل العمالقة من المستشرقين ، وأضخم الأعمال في مختلف ضروب المعرفة، لكن الأوضاع بدأت تتبدل، ففي عام 1973م عقد مؤتمر المستشرقين الدولي بباريس ليكون آخر مؤتمر دولي يحمل هذه التسمية، فقد ألغي مصطلح"استشراق"وأصبح التجمع يحمل اسم"الجمعية الدولية للدراسات الإنسانية حول آسيا وإفريقيا"ثم أصبح"الجمعية الدولية للدراسات الآسيوية والشمال إفريقية"، وأصبحت مؤتمراته تحمل اسم"مؤتمرات العلوم الإنسانية الخاصة بمناطق العالم الإسلامي"