الأربعاء:09/01/2002
(الشبكة الإسلامية) عبد الرحمن الحاج إبراهيم
الفكر الإسلامي على مفترق طرق: المهمات الجديدة في منظومة العولمة
أدت ثورة المعلومات والاتصالات إلى إنشاء مفهوم جديد للعالم ، وعلاقات السيطرة فيه ، والتقدم والتأخر، ليس من خلال تحول مفهوم القوة والسلطة من إرسال الجيوش والتلاعب بالحكومات فحسب ، بل بالسيطرة على القطاعات والشبكات الاقتصادية والثقافية والإعلامية العولمية، واستخدامها لتوزيع رأس المال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والرمزي، وبالتالي لإنتاج المواقع الطبيعية الجديدة ، ومركز هذه السيطرة الرئيسي هو قطاع الثورة التقنية المعلوماتية، وما يرتبط به من نخب معولمة .
المهم في الأمر والخطير فيه أن الهيمنة الجديدة لا تحتاج إلى جهد خاص لتعميم طريقة حياة وسلوك وتفكير يعمل تمثلها على إعادة التوزيع المتفاوت جداً للثروة العالمية المادية والمعنوية و - من ورائه - على تحقيق السيطرة العالمية، كما كان عليه الحال في الحقبة السابقة ( الرأسمالية ) . إنها تراهن الآن - بالعكس - على بناء نمط متميز لحياة النخب (السياسية والاجتماعية والثقافية) وتفكيرها، يسمح بفصلها عن الكتلة الرئيسية ودمجها مباشرة في دائرة ثقافة الاستهلاك الخاص بها، إنها تقوم على خلق رأسمال ثقافي ورمزي مستقل، وثقافة نوعية للنخبة العالمية الجديدة تربط بين أفرادها، لذلك أصبحت الجبهة الرئيسية في حرب السيطرة العالمية هي جبهة المواجهة الثقافية ، الهادفة إلى التخفيض من قيمة الثقافات المنافسة، وتسويد صفحتها، لدفع نخبها إلى « التنصل منها، والانضمام إلى ثقافة النخبة المعولمة كونياً» على حد تعبير المفكر العربي برهان غليون.
إن ذلك لا يعني إلاّ تخفيض الثقافات الوطنية إلى مستوى الثقافات الشعبية ، أي التواصلية ، وإبعادها عن حقول السلطة الناجعة ( السياسية والاقتصادية والعلمية ) ، ومن وراء ذلك نزع السلطة السياسية والاقتصادية والرمزية عن المجتمعات وإعدادها للدخول في فلك ما نسميه الإمبراطورية العالمية .
الواقع أن شيئاً من هذا التوحيد الثقافي أخذ مجراه بسرعة مذهلة في المجتمعات الشرقية والغربية من اليابان فالهند والصين وأوروبا... وبقي العالم الإسلامي متأثراً بشكل أخف ، وما يزال القول بالأمركة (التي هي إحدى ثمرات العولمة) في العالم الإسلامي قولاً يحتاج تحققه إلى زمن طويل ، وإذا كان العالم الإسلامي ما يزال يشكل الرقعة الجغرافية الأكثر استعصاء على الأمركة ثقافياً ، فإنه ليس بعيداً جداً عن تأثيراتها.
وفي كل الأحوال هذا الوضع يضع مسؤولية جديدة على مفكري العالم الإسلامي ( الإسلاميين بالدرجة الأولى ) تتمثل في إيجاد فلسفة/ طريقة تفكير تمكن الثقافة الإسلامية من الصمود والفعالية .
إن المسألة لا تتعلق بموقفنا تجاه العولمة ، معه أو ضده ؛ لأن العولمة في الواقع جزء من واقع موضوعي يجتاح العالم . إن المسألة هي قدرتنا على التعامل مع العولمة والانخراط فيها.
فإذا كانت العولمة هي - من جهة - تمثل الثورة التقنية ، ومن جهة ثانية نتائج السيطرة على هذه الثورة والتحكم بها فإنه ليس بإمكاننا أن نطرح سؤال إمكانية رفض العولمة أو القبول بها، لأنه ـ على حد تعبير برهان غليون ـ من المستحيل لمجتمعات منخرطة جدياً في السيرورة التقنية والعلمية أن تطرح على نفسها مثل هذا السؤال: إن المجتمعات التي تطرح مثله هي تلك التي تعيش على هامش منظومة الفعالية التقنية والعلمية ، ولا تشعر بالمنافسة ولا بالمباراة الدولية في حقل الاقتصاد والإنتاج المادي منه والمعنوي ، فما دمنا نعيش في إطار نظام الرأسمالية فإن اكتساب هذه التقنيات التي تسمح بالاندماج العالمي ، أعني تقنية المعلوماتية والاتصالات ، يشكل هدفاًلكل قوة اقتصادية متفاعلة مع المنظومة العالمية.
إن القوى التي تسيطر على وسائل هذه التقنيات هي - وحدها -المؤهلة للحفاظ على مواقعهاوضمان تطورهاوتقدمها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الحقبة القادمة ، فمن دون السيطرة على تلك التقنيات لن يكون لها حظ في الحفاظ على نفسها في المنافسة الدولية.
وطرحنا للسؤال يعكس تماماً طبيعة الموقع الذي نحتله في نظام العولمة الجديد ، أي بوضوح موقف الهامشية الكاملة.
إن المهمة الجديدة للفكر الإسلامي هي تأسيس « فكر » وصياغة المنظومة الفكرية الإسلامية بما يؤهلها للخوض في العولمة، والانخراط فيها لمواجهة ثقافة الأمركة .
ولا يبدو أن فكراً مؤهلاً لهذا التحدي بقدر ما يبدو الفكر الإسلامي ، الذي يقف على أرضية اعتقادية قادرة على التعامل مع العلم بالرغم من غيبيتها، وهو أمر لم يتوفر في منظومات عقدية أخرى.