محمد حسن يوسف
جاء القرآن الكريم - من حيث المعنى - في ثلثه تقريبا تأريخا لقصص تحكي حال الكفار مع الأمم المسلمة، سواء الأمم التي سبقتنا، ونضال أنبيائها معها لإقرار عقيدة التوحيد بين أفرادها، أو أمة صلى الله عليه وسلم ونضالها مع طواغيت الكفر من المشركين. ولم يكن هدف القرآن من ذلك تسليتنا بإخبارنا بما حدث من قبلنا أو معنا، وإنما لفت نظرنا للاعتبار بما حدث وأخذ العبرة والعظة منه.
وليست دراستنا للتاريخ إلا لكي نستفيد منه. وإنما العجب كل العجب أن يستفيد أعداؤنا من دراسة تاريخنا، حيث درسوه جيدا واستطاعوا استخلاص العبر والنتائج منه. وأعجب العجب أنهم أصبحوا يحاربوننا الآن باستقرائهم لتاريخنا وبجهلنا نحن إياه!!!
وقد أمرنا تعالى بدراسة سير من قبلنا للوقوف على العبر واستخلاص الدروس التي ترشدنا في حياتنا. فقال عز وجل: ? قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اْلأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ? [ آل عمران: 137-138 ] . فمن عجب أن نترك دراستنا للتاريخ وفق هذا النهج، أي وفق نظام السنن الإلهية في الكون، وأن يكون نهجنا لقراءة التاريخ مسايرا للنهج الغربي، الذي يعتمد في تفسيره للتاريخ على أثر البيئة الخارجي من مناخ وجغرافيا واقتصاد، أو النهج الشيوعي الذي يعتمد على التفسير المادي للتاريخ، وأن نلتفت إلى توافه الشخصيات المعاصرة لكي نجعل منهم قدوتنا، بديلا عن مصابيح الهدى من أعلامنا السابقين.
إن دراستنا للتاريخ على هذا النحو - أي وفق نظام السنن الإلهية - تتيح لنا إدراك الأسباب الحقيقية للانتكاسة الضخمة التي وقعت فيها الأمة في عصرها الأخير، ونتعرف في الوقت ذاته على طريق الخلاص. إن التخلف المادي والعلمي والسياسي والحربي والاقتصادي ... الخ، الذي هو سمة المسلمين في واقعهم المعاصر، ليس هو السبب الأصيل في انتكاستهم المعاصرة، إنما هذه كلها أعراض للمرض الأصلي، الذي هو فراغ المسلمين من حقيقة الإسلام، وبعدهم عن الله، وبعدهم عن مقتضيات رسالتهم التي أخرجهم الله من أجلها. [1]
وإذا كان لكل علم ثمرة، أي غاية يجب أن يخرج بها الدارس من دراسته لهذا الفرع من العلوم، فإن دراسة التاريخ لها ثمار شتى، لعل من أهمها الوقوف على أخطاء المستشرقين وآرائهم في تحريف التاريخ الإسلامي، وتزوير حقائقه، وطمس معالمه، والتشكيك في رجاله وأعلامه، وذلك لخدمة أغراضهم الاستعمارية، ومحاولة تشكيل العقل المسلم وفق النسق الغربي الأوربي في المنهج والتصور. [2]
إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ هذا الدين الواحد، وهو الإسلام: ? إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ? [ آل عمران: 19 ] ، وهو تاريخ تطبيق هذا الدين ... تاريخ تطبيق شريعة الله إلى أبناء آدم عليه السلام ... تاريخ الصراع بين الحق والباطل ... بين حزب الله وحزب الشيطان ... تاريخ انتصار الرسل والدعاة في دعوتهم إلى الله عز وجل، واندحار موجات الكفر وأهله ... تاريخ أمم عرفت أوامر الله ونواهيه ولم تلتزم بها فكان عاقبة أمرها خسرا ... تاريخ رجال لا يخشون في الله لومة لائم ... وعلماء جندوا علمهم لله، وآخرون عتوا عن أمر ربهم، وباعوا أنفسهم للشيطان، وجعلوا دين الله مطية لأهوائهم ورغباتهم، فطغوا وتجبروا وظنوا أنهم قادرون على كل شيء، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
ومن هنا تأتي العلاقة بين التاريخ والدين، وهي علاقة وثيقة ... إن التاريخ الإسلامي يروي لنا تاريخ العقيدة الصحيحة ... وجزاء من يلتزم بها ويقاتل من أجلها، وجزاء من يعرض عنها، ويصرف الناس عنها. [3]
ولذلك فكل أمة من أمم الأرض تعتبر درس التاريخ من دروس التربية للأمة، فتصوغه بحيث يؤدي مهمة تربوية في حياتها ... أما كتاباتنا نحن في عصرنا الحديث هذا، فكثير منها كأنه غافل عن هذه المهمة الضخمة، لأنه مكتوب على يد قوم قلوبهم موجهة إلى خارج ذواتهم، بفعل التبعية، وفعل الغزو الفكري، أو موجهة إلى ذواتهم ولكن بميول منحرفة - هي ذاتها من فعل الغزو الفكري - كالوطنية والقومية والعلمانية والاشتراكية والمادية ... الخ ... الخ. [4]
وإذا كان أعداؤنا قد استفادوا من قراءتهم لتاريخنا استفادة عظيمة، فإن الأمثلة على ذلك كثيرة ولا تحصى. ومن ذلك: