فهرس الكتاب
مجلة البيان - (ج 118 / ص 100)
بقلم: أسامة محمد إبراهيم
قرأت مقالاً للأستاذ جمال سلطان في مجلة (البيان) الغراء بعددها الرقم 115 الصادر في ربيع الأول 1418هـ، حيث اختار الكاتب عنواناً لمقاله هو: (في الصراع الفكري ـ ملاحظات على معركة حسن حنفي وجبهة علماء الأزهر) .
وبادئ ذي بدء فإنني أسجل تقديري واحترامي الشديدين للأستاذ جمال سلطان بوصفه أحد الكتاب الإسلاميين في مصر، وله باع طويل في الدفاع عن الصحوة الإسلامية التي شهدتها البلاد منذ عقود مضت، فضلاً عن إسهاماته المهمة في مجال الدعوة الإسلامية سواء من خلال الكتب أو المقالات أو غيرها من السبل التي تيسرت له.
غير أن كل ذلك لا يمنع من التعليق على بعض ما جاء في مقال الأستاذ جمال السالف الذكر؛ فقد لفت نظري في مقاله عدم وضوح الرؤى لدى بعض إخواننا الذين يتصدون للدعوة الإسلامية؛ وذلك فيما يتعلق بالأسلوب الأنسب الذي يجب اتباعه في هذه الدعوة، خاصة في مواجهة الأبواق والمنابر العلمانية التي ازداد عددها وانتشرت كالسرطان في جسد الأمة في السنوات الأخيرة، سواء تلك التي تستخدمها بعض الأنظمة السياسية في بلادنا كأحد الأسلحة الوقائية ضد التيار الإسلامي، أو تلك التي تهيمن عليها العناصر الماركسية والإلحادية والعلمانية التي نجحت في التغلغل داخل العديد من الصحف والمؤسسات الإعلامية واسعة الانتشار بمؤازرة من هذه الأنظمة التي جعلت شغلها الشاغل مهاجمة كل ما هو إسلامي والسخرية منه والتنديد به وتمجيد ما عداه!
ولقد تعرض الأستاذ جمال في مقاله إلى تلك الحادثة المتعلقة بالدكتور حسن حنفي التي بدأت ببيان د. يحيى إسماعيل أستاذ علم الحديث بجامعة الأزهر وأمين عام جبهة علماء الأزهر، الذي هاجم فيه د. حسن حنفي ووصف أفكاره بأنها تدميرية، وقامت على أثر ذلك ـ كالعادة ـ حملة إعلامية شعواء من قِبَلِ الكتاب العلمانيين الذين يسيطرون على عشرات المجلات والصحف، فشن هؤلاء هجوماً على الأزهر وجبهة علماء الأزهر وعلى الإسلاميين من دون استثناء.
وبما أن مثل هذه الحملات الإعلامية المنظمة التي تهدف ـ في الأساس ـ إلى وأد الصحوة الإسلامية واستعداء السلطات على رموزها، أصبحت من الأمور اليومية المعتادة في الصحف ووسائل الإعلام بسبب وبدون سبب، فإن ما يجب أن يعنينا هنا: هو البحث عن (صيغة موحدة) يلتزم بها الدعاة والإسلاميون في مواجهة مثل هذه الحملات، وليسمح لي الأستاذ جمال أن اختلف معه في بعض الطرح الذي وضعه في كيفية إدارة الصراع، أو ما أطلق عليه (المعركة التاريخية والفاصلة بين الإسلام والمناهج الوافدة) .
يقول الأستاذ جمال في مقاله: (إن إثارة معركة مع حسن حنفي في هذا الوقت لم يكن له ما يسوغه أبداً، ومن أي وجه من الوجوه، فالأخطاء العقدية والفكرية عند الرجل، قديمة، وليست جديدة، والكتب المشار إليها صدرت قبل سنوات، ومرت دون أن يشعر بها أحد، كذلك فإن أسلوب د. حسن حنفي المسهب والمطنب في التأليف يجعل القارئ ـ غير المتخصص ـ زاهداً في قراءته، ولذلك لم يشعر أحد بأي خطر فكري ـ لحسن حنفي يستحق هذه الضجة الكبرى إلا بعد البيان الذي نشره الدكتور(يحيى إسماعيل ) ) .
ومن حيث المبدأ، فإنني أتفق مع الأستاذ جمال فيما ذهب إليه من أن الصراع الفكري، مثل الصراع العسكري أو السياسي، يحتاج إلى فنون خاصة في إدارة معاركه، ويحتاج إلى حكمة وتخطيط وذكاء ووعي بالواقع ـ واقع الناس وواقع الصراع فيه ـ إلا أنني أختلف معه في مسألة (التوقيت) الذي يراه غير مناسب في إثارة معركة مع المذكور؛ وذلك على الرغم مما يعلمه كاتب المقال ـ ويعلمه الجميع أيضاً ـ من أن د. حسن حنفي هو أحد غلاة العلمانيين في مصر، ونحن نسأل الكاتب هنا عن الوقت الذي يراه مناسباً لمواجهة مثل هذه الكتابات التي تثير الحيرة والبلبلة في نفوس العامة من الناس وعقولهم فضلاً عن التدمير الفكري الذي تحدثه لدى الشباب والناشئة خاصة في الجامعات التي ابتليت بمثل هؤلاء الناس، وهل أن قِدَم الكتب التي قام د. يحيى إسماعيل بمهاجمتها وفضحها مسوّغ لعدم التعرض لها، كما أن قول الكاتب بعدم وجود خطر فكري من كتابات حسن حنفي كلام ـ في نظري ـ تنقصه الدقة؛ لأن مثل هذه الكتب مقررة على مئات الطلاب في كلية الآداب ومطلوب منهم قراءتها مرات ومرات واستيعابها حتى ينجحوا في اجتياز امتحانات آخر العام!
يخطئ من يظن أن هناك خلافات وتناقضات داخل المعسكر العلماني فيما يتعلق باستراتيجيتهم في مهاجمة الإسلام والداعين له، وبالتالي فإننا نختلف مع القائلين بضرورة وضع (أولويات) في مواجهة رموز العلمانية، فكما أن حربهم على الإسلام ودعاته شاملة؛ فيجب أن تكون مواقفنا منهم أيضاً شاملة، ويكفينا هنا طمأنة الباري (جل وعلا) لنا بقوله في كتابه العزيز: (( إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) ) [الحج: 38] .