فهرس الكتاب

الصفحة 8522 من 27364

أ.د. نادية محمود مصطفى**

تمثال الحرية.. رمز النموذج الأمريكي

إذا كانت الولايات المتحدة قد قدمت دائمًا نفسها كنموذج القوة العالمية المدافعة عن الحرية والساعية لتحقيق أمن العالم واستقراره وفق منظور مصالحها ووفق منظومة قيمها، فإن السؤال المطروح دائمًا هو: هل هذه القوة العالمية ترتكز على قوة النموذج أم على نموذج القوة؟ وبالطبع قدمت الخبرات الأمريكية الداخلية والخارجية إجابات عدة على هذا السؤال.

فلقد تراجعت في أحيان كثيرة منظومة القيم المعلنة -وعلى رأسها الحرية وحقوق الإنسان- أمام متطلبات المصالح القومية والأمن الأمريكي.

ولعلّ أبرز الأمثلة على ذلك تأتي من تاريخ مساندة الإدارات الأمريكية لنظم تسلطية وعسكرية؛ حفاظًا على متطلبات إدارة الصراع العالمي. وفي المقابل، وإن ظلّت القاعدة الظاهرة -في الداخل الأمريكي- هي الترابط بين الحرية والأمن باعتبارهما دعامتي النموذج الأمريكي، فإن استثناءات عديدة كسرت هذه القاعدة في مراحل فاصلة من تاريخ المجتمع الأمريكي مثل قضية الهنود الحمر السكان الأصليين، قضية السود الأمريكيين، مرحلة الماكارثية.

ومع أحداث 11 سبتمبر ارتَدَت إشكالية العلاقة بين الأمن والحرية في السياسة الأمريكية ثوبًا جديدًا يتسق وطبيعة المرحلة الراهنة من تطور النظام الدولي والسياسات العالمية، ومن تطور السياسات الأمريكية. وهي المرحلة التي تتسم ببروز دور الأبعاد الثقافية والحضارية كمحرك لهذه السياسات والتفاعلات، وكمفسّر لها، وكمحدد من محددات تقسيم العالم؛ ومن ثَم كان لا بد لإشكالية العلاقة بين الحرية والأمن أن تتشكّل بدورها بتأثير هذه الأبعاد بعد أن تشكلت بأبعاد أيديولوجية في مرحلة الحرب الباردة.. ولكن كيف؟

بالنسبة للمواطن الأمريكي العادي أثار الهجوم على مركز التجارة العالمي وعلى البنتاجون الأسئلة التالية: من الذي يكرهنا إلى هذا الحد؟ ولماذا؟ ما الذي يحدث في العالم من حولنا لينعكس علينا على هذا النحو؟ لماذا فشل النظام الأمريكي في الحفاظ على الأمن لهذه الدرجة غير المسبوقة؟ ما هو هذا الإسلام الذي أُلصقَت بأتباعه هذه التهمة؟ وبالنسبة للنظام الأمريكي وللسياسة الداخلية والخارجية الأمريكية كان للهجوم مغزى آخر: فهو ضربة قاتلة ضد أهم رمزين للنموذج الأمريكي (المال، القوة العسكرية) ، وبأسلوب جديد غير مسبوق لا بد وأن يثير التساؤل عن مصدر الهجمات: هل هو من الداخل أم من الخارج؟ ويزداد مغزى الهجوم خطورة في نظر إدارة جمهورية في ظلِّ ما هو معروف عن تقاليدها التي تعطي الأولوية لتحقيق الأمن بواسطة القوة العسكرية، وما هو معروف أيضًا عن رافدها اليميني السائد الآن وتحالفه مع اليمين الديني الذي تلعب التقاليد البروتستانتية دورها في تشكيل رؤيته للعالم ودور أمريكا فيه، وذلك على نحو يثير التساؤل حول قدر تأثير الأبعاد الثقافية والحضارية -وفي قلبها الدين- على السياسة الأمريكية، وذلك بالمقارنة باعتبارات المصلحة القومية التقليدية.

وكان لا بد لهذه الدلالات المتعددة أن تنعكس على إشكالية العلاقة بين الأمن والحرية على صعيد رؤية كل من الإدارة من ناحية، وقوى المجتمع المدني والمواطن الفرد من ناحية أخرى.

الدولة مع الأمن والمجتمع مع الحرية

منذ الساعات الأولى بعد الهجوم، ونظرًا للقفزة الهائلة التي احتلتها المواجهة بين الإسلام والغرب، ثار التساؤل: هل ستصبح الحرية وحقوق الإنسان في العالم بصفة عامة، والحريات المدنية للمسلمين والعرب الأمريكيين والأوروبيين بصفة خاصة، ضحية سبل مقاومة هذا الإرهاب في داخل الولايات المتحدة وخارجها؟ وقد تبلور اتجاهان للإجابة عن ذلك:

الاتجاه الأول: مثلته الحكومات الأوروبية والإدارة الأمريكية، التي مضت قدمًا في طريق دعم الإجراءات الأمنية الجديدة في المطارات والمواني، وسنِّ القوانين الجديدة الخاصة بالهجرة واللجوء السياسي، وانتهاج سبل وإجراءات جديدة في مجال الحجز والاستجواب والمحاكمة. وكان الضحايا الأساسيون لهذه الإجراءات من العرب والمسلمين. وفي الوقت نفسه اتسعت دائرة التنسيق الأمني والاستخباري مع السلطات المعنية في عديد من الدول العربية والإسلامية، وبدأت الحرب ضد أفغانستان، وتوالت التهديدات الأمريكية للجميع، وانطلق الضوء الأخضر لإسرائيل لتنفيذ مخططها الإرهابي المنظم ضد الشعب الفلسطيني.

وفي المقابل استمر تأكيد القادة الأوروبيين والأمريكيين في قمة السلطة على أن الحرب ضد الإرهاب ليست حربًا ضد الإسلام والمسلمين، وأن الإجراءات الأمنية الجديدة لا تستهدف كل المسلمين الأمريكيين أو الأوروبيين، ولكن"الأشرار منهم فقط".

أما الاتجاه الثاني: فقدمه مفكرون وبرلمانيون وقادة مجتمع مدني أمريكيون وأوروبيون، وحذَّر مما قد ينال الحريات المدنية باسم"مكافحة الإرهاب"، وأنه يجب البحث في أسباب الإرهاب، ولكن ظلَّ هذا الاتجاه منخفض الصوت غير ذائع الانتشار في الأسابيع التالية مباشرة للهجوم على نيويورك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت