د. محمد مورو* 20/5/1424
إذا كان المثقف - أو من المفروض أن يكون - هو ضمير المجتمع، وهو بمثابة زرقاء اليمامة يرى المخاطر المحيطة بقومه قبل حدوثها بوقت كاف لتداركها، أي قبل أن يراها الناس العاديون.
وعليه بالطبع أن يحذر من تلك المخاطر، ويقوم بواجبه التحريضي لمواجهتها، وتحصين مواقع قومه الثقافية حتى لا تهزم من داخلها...
أما إذا انهزم المثقف، أو خان أو تخلى عن واجبه؛ فإن الخسارة تكون كبيرة جداً، لأن الهزيمة الثقافية مقدمة بالطبع لهزيمة عسكرية وسياسية وحضارية.
وإذا كان (جان بول سارتر) يقول: إن مهمة المثقفين الأولى هي إزعاج السلطات والطغاة، فأي طغيان أكثر من الطغيان الأمريكي والإسرائيلي؟ وأي سلطة أبشع من السلطات التي تنفذ الأجندة الأمريكية؟! فإذا تحول المثقفون أنفسهم إلى أبواق للقيم الأمريكية، ومبررين ومبشرين للأجندة الأمريكية؛ فهذه هي الكارثة بعينها.
هذا الكلام بمناسبة ما قيل وما صدر وما حدث فيما سمي بمؤتمر الثقافة العربية الذي انعقد أوائل شهر"يوليو"2003 في القاهرة بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان"نحو خطاب ثقافي جديد، من تحديات الحاضر إلى أفاق المستقبل"، وقد حضره حوالي مئة مثقف عربي ومصري، تم استدعاؤهم للحضور فجأة وبدون مقدمات، مما أثار حفيظة أمثال الأديب الجزائري (الطاهر وطار) ، الذي وصف المسألة بأنها نوع من الاستدعاء البوليسي لأداء مهمة محددة سلفاً، الأمر الذي يوحي بوجود أجندة مسبقة على هوى الأمريكان، أو لذر الرماد في عيونهم إذا أخذنا بالتفسير البريء.
تجاهل ثقافة المقاومة
انعقد المؤتمر للبحث عن خطاب ثقافي عربي جديد، ولا أحد بالطبع ضد التجديد، ولكن التجديد غير التغريب، غير التخريب، معنى أن يكون التجديد من الداخل وعن طريق هضم المواد المضافة، وليس إلصاقها أو قطع الشجرة من جذورها، وزرع شجرة جديدة سترفضها التربة حتماً.
فالتجديد عملية مستمرة وشاقة من الداخل، وليست مجرد قص ولصق، وإذا كان لابد من تجديد؛ فإن التجديد إزاحة تلك الوجوه الثقافية العربية المسيطرة على الساحة والمتورطة مع السلطات المستبدة، أو الدالفة في دم مثقفين آخرين، دفعوا حياتهم أو أعمارهم ثمناً لمواقفهم، وهكذا فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا كان العيب القاتل في مثل هذا المؤتمر الذي ترعاه مؤسسة رسمية مصرية"تمنح وتمنع طبعاً".
مجرد القراءة في عناوين الندوات أو الموائد المستديرة التي عقدت في إطار المؤتمر يحدد الهدف من المسألة، كانت العناوين:"حرية الإبداع"،"تجديد الخطاب الديني"،"النظام الإقليمي العربي والنظام العالمي"، المشروع الثقافي العربي المستقبلي"،"الثقافة العربية في عصر مجتمع المعرفة"، مع ملاحظة غياب عناوين، مثل:"ثقافة المقاومة"،"المواجهة الثقافية للمشروع الأمريكي والإسرائيلي"،"دور المثقف في التحريض على مواجهة الاحتلال"، وهي عناوين ضرورية ومشروعة في زمن يقوم فيه الإسرائيليون بالقتل والقهر لشعبنا في فلسطين يومياً، وعلى مدى الساعة، ولا يمكن لمثقف أن يتجاهل ذلك، وكذلك الوجود الاحتلالي الأمريكي في العراق، والقواعد الأمريكية في عدد كبير من الدول العربية، مع ملاحظة تجاهل ذلك؛ نجد أن عناوين ومحاور الحوار كلها تدور في إطار الأجندة الأمريكية التي بشر بها (كولن باول) ، وباتت معروفة ومشهورة، وحتى لو كان ذلك خطأ غير مقصود، أو أن تلك هي مطالب المثقفين العرب قبل أن تظهر أجندة باول، بمعنى أن باول تبنى خطاب ومطالب المثقفين العرب، أو أراد أن يحرقها بتبنيه لها؛ فكان من الضروري مراعاة الظرف الذي تمر به الأمة الآن، وأن تتجه الأطروحات حول تلك العناوين ذاتها، اتجاهاً يدعم مقاومة الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي، فيكون تجديد الخطاب الديني باتجاه التأكيد على الجهاد والصمود والمواجهة ورفض الاحتلال، باعتبارها واجبات شرعية، وأن يكون المشروع الثقافي العربي مشروع المقاومة، وأن تكون المعرفة في خدمة قضايا النضال، والانفتاح على العالم في اتجاه التحالف مع القطاعات الكبرى في الشعوب المتضررة من العولمة والأمركة وهكذا...، ولكن الاتجاه كان تفكيكياً وعسكرياً على طول الخط، اللهم إلا من بعض الاستنارات القليلة التي لا تشكل تياراً أو ظاهرة وتم تحجيمها وتهميشها."
وهكذا جاءت المداخلات والأبحاث إما من باب كلمات حق يراد بها باطل، أو كلمات حق في غير مجالها ولا زمانها ولا مكانها، أو هجوم صريح واضح على الهوية والدين والمقاومة والثوابت والدعوة للانبطاح أمام الأخر الأمريكي والصهيوني تحديداً، أو غيرها من الأمور المريبة.
أعمدة ثقافية مستبدة