فهرس الكتاب

الصفحة 19707 من 27364

د. قدري حفني

الحوار لا ينقطع هذه الأيام حول تعديلات الدستور المصري, وقد امتد ذلك الحوار الصحي ليشمل المادة الثانية التي تقرر أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع والتي رأي فيها البعض تعارضا مع المادة الأولي المقترح إضافتها لتتصدر الدستور والتي تتحدث عن أن نظامنا ديمقراطي يقوم علي أساس المواطنة.

ولقد شاركت في عدد من تلك الحوارات كان أحدثها ذلك الحوار الذي أداره بصبره المعهود الصديق الدكتور إسماعيل سراج الدين في مكتبة الإسكندرية والذي امتد إلي ما يقرب من الساعات الخمس المتصلة, وسبقه حوار آخر استضافه المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية, وقد اقتصرت مداخلتي الموجزة في كلا اللقاءين علي ما تثيره مواد الهوية الإسلامية والمواطنة من جدل.

لقد طرح كل فريق من المتحاورين حول تلك المواد مجموعة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والأحداث التاريخية التي يراها مدعمة لوجهة نظره. استشهد فريق المدافعين عن بقاء المادة الثانية بما لا حصر له من أسانيد إسلامية يرون من خلالها أن القيم الإسلامية تتجاوز قيم المواطنة والديمقراطية حيث يقرر الإسلام ألا فضل لعربي علي عجمي إلا بالتقوى, ويحذر من ظلم العباد, ويوصي المسلمين بأهل الذمة ويجعل لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم, فضلا عن العديد من وقائع التاريخ الإسلامي التي تبرز قيم السماحة والمساواة والعدل, بل والمرونة أيضا حتى في تطبيق الحدود رغم أنها أحكام شرعية قطعية الثبوت والدلالة.

وفي المقابل يلتقط أصحاب وجهة النظر الأخرى من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والأحداث التاريخية ما يرونه مدعما لوجهة نظرهم التي تبدو معها الشريعة الإسلامية متعارضة تماما مع مبادئ المواطنة والديمقراطية داعية إلي احتقار أصحاب الديانات الأخرى والتضييق عليهم وعدم موالاتهم بل وقتالهم, ويستشهدون للتدليل علي ذلك بالعديد من التأويلات بل والممارسات التاريخية التي تدمغ حكاما مسلمين بارتكاب المذابح ضد من يخالفونهم حتى لو كانوا من المسلمين, ويستشهدون فضلا عن ذلك بنماذج من أنظمة وتيارات سياسية إسلامية في باكستان وأفغانستان وإيران والسعودية والسودان.

ويدور ذلك الحوار في مناخ يسوده التشكك المتبادل في النوايا المضمرة لكل فريق بحيث يصبح التمسك بالمادة الثانية كما لو كان دعوة لقهر الآخر والتسلط عليه, وفي المقابل تصبح الدعوة للمواطنة والديمقراطية دعوة مستوردة هدفها القضاء علي الإسلام. وفي ظل مثل ذلك المناخ يمكن أن يستمر الجدال إلي ما لا نهاية ويستمر معه التخوف والتوجس بل والتربص من الجانبين ويستمر كل فريق في اقتناص الحجج والوقائع والنصوص التي تدعم وجهة نظره.

حين أعدت النظر في تلك المحاورات التي تابعتها أو شاركت فيها تبين لي أن أحدا من الفريقين لم ينكر علي الآخر صحة الوقائع أو النصوص التي استند إليها, وكان جوهر الخلاف يتمثل في اتهام كل فريق للآخر بالتعسف في التأويل والانتقائية في الاختيار ثم تعميم الاستثناء ليبدو كأنه القاعدة.

واستعدت خلال متابعتي لتلك المناقشات فكرة مستقرة في علم النفس السياسي تقوم علي أن الحوار لكي يكون مثمرا ينبغي التخلي عن استقراء النوايا, والاتفاق بداية علي تحديد دقيق لمعاني المصطلحات, إلا إذا ما اتفق المتحاورون علي إقرار مصطلح غامض قابل للتأويل وهو ما قد يحدث أحيانا في المفاوضات لأسباب لسنا في مجال تفصيلها.

إن رؤية العديد من شيوخنا الأفاضل في مصر ورموز التيار الإسلامي لجوهر الإسلام الحق ولمبادئ الشريعة الإسلامية لا تعارض مطلقا مع المواطنة والديمقراطية, ولكن تلك الرؤية تختلف اختلافا بينا عن رؤية العديد من الإسلاميين القدامى والمحدثين والتي لا يستطيع أحد إنكار انبثاقها من التراث الإسلامي وتأثيرها في الفكر الإسلامي المعاصر, والتي تري أن لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم, وأنه لا ينبغي للمسلمين الالتزام برابطة الشعوب, وأنه ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تتساوي فيه العصبية الوطنية مع الأخوة الإسلامية, وأن الاستعمار كان وراء إذكاء النعرة الوطنية والحث علي الموت في سبيل الوطن, وأنه قد تم نسخ آيات الصفح, والتسامح, والمسالمة, والمجادلة بالتي هي أحسن, وعدم الإكراه في الدين, وحق الاختيار, والتولي والإعراض عن الآخرين الذين يسمون كفارا أو أهل كتاب مشركين؛ ومن ثم لا يصبح أمام المسلم الحق سوي قتال غير المسلمين.

من هنا ينبع القلق وهو قلق مبرر تماما علي الجانبين: ما الذي يضمن ألا يأتي في المستقبل من يتبني تلك الرؤية الإقصائية لمبادئ الشريعة الإسلامية, أو علي الجانب الآخر ما الذي يضمن ألا يأتي في المستقبل من يتبني رؤية للمواطنة تعني فصل الدين تماما عن الحياة اليومية للبشر؟

تري هل ثمة إمكانية لأن يتضمن الدستور مثلا ما يعني صراحة تبني ذلك الفهم المحدد للشريعة الإسلامية وهو الفهم الذي يمكن أن تقبل به الأطراف جمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت