خميس بن عاشور
لكل أدب من الآداب خاصية وميزة يتميز بها عن غيره، ولا تكون شخصية الأدب واضحة ما لم يتحلَّ بهذه السمات الخاصة، ولا يعقل أن يتقمص أدب معين جميع الخصائص الفنية للآداب المختلفة في جميع العصور، مثلما يريد المحسوبون على الأدب العربي، فهو عندهم تارة أدب شرقي؟ وطوراً أدب غربي، وفي أحسن الأحوال يجمع بين هذا أو ذاك بأسلوب مبتكر...
إن اللغة العربية لا يسعها أن تقحم في كل الميادين الفكرية المعاصرة إلا مكرهة، لأن الكاتب العربي المستغرب ليس بمقدوره الاستغناء عن أداته في التعبير» اللغة ، هذه اللغة التي ترتبط بمفاهيم عقدية ارتباطاً وثيقاً، وأول هذه المفاهيم تلك التي تضمنها القرآن الكريم، الكتاب الأول للعربية بلا منازع.
فبأي حق تظل الميادين التي تجد فيها العربية ذاتها مهجورة؟ ! وما ذنب هذه اللغة إذا ما انحط أهلها وتخلفوا عن ركب التقدم؟.
نستطيع أن نقول: إن التراث يدخل في صميم التركيب الذي يتكون منه الأدب العربي، ومع ذلك فلا نحتاج إلى من يذكرنا بضرورة المعاصرة؛ لأنه لا يخطر بلب العاقل أن العربي عندما ينشئ أدباً سيعمد إلى مقبرة فيلقي على سكانها من الأموات ما جادت به سليقته وما فاضت به مخيلته.
لقد دأب المستغربون على تشويه شخصياتنا التاريخية عن طريق إحياء أكاذيب القصاص وشعراء الشعوبية، حتى ترسخت بعض المفاهيم الهدامة التي تخدش نزاهة وكرامة أبطالنا التاريخيين الذين قادوا الحضارة الإنسانية...
ولم يبق للمستغربين إلا أن يدعونا صراحة لدخول جحر الضب، حتى تكتمل بذلك أمنيتهم الغالية.
وماذا أفاد » جورجي زيدان « في رواياته التاريخية التي هي انعكاسات لعقيدته وفكره المستغرب الذي يدعم به آراء المستشرقين.
إن الإسلامية أشمل وأعم من تلك المفاهيم الضيقة التي يعتنقها من لا تعنيهم هذه المسألة من المستغربين عامة، فالأدب العربي أدب إسلامي كذلك، وبالتالي فهو أدب عالمي تبعاً لعالمية الإسلام، وهو بذلك لا يحتمل بعض المحاولات الذليلة لجعله إقليمياً انعزالياً، كما يريده عبيد المدرسة الاستغرابية.
وهناك قضية أخرى وهي العالمية، فالعالمية فكرة نسبية تعتمد على مقاييس الذوق الغربي، فالأدب العالمي بالمفهوم السائد هو الأدب الذي ترضى عنه الأذواق والمقاييس الغربية، فالعالمية هي ذلك الطوق الذي يجعله الأديب المستغرب في عنقه ليصل إلى هذا الهدف الكبير، وهو الحظوة بدخول جحر الضب.. !، ومما لا ريب فيه أن متعصبي نصارى العرب من هذه الحيثية ليسوا أمناء على العربية؛ لأنهم عاجزون عن الدخول في كل الميادين التي تميز الأدب العربي منذ القديم.
وربما يتساءل البعض عما قدمه نصارى العرب الأولون سواء في الجاهلية أو في الإسلام، والجواب هو أن مساهمة الأقدمين كانت لصالح اللغة العربية التي كانت قوية بقوة الثقافة الإسلامية آنذاك، أما اليوم فلا يمكن أن تكون هذه المساهمة كذلك بعدما أصبحت الغلبة للثقافة الغربية ذات العقيدة النصرانية في عمومها، ومادام الصراع الثقافي اليوم قائماً بين الغرب القوي المسيطر وبين غيره من الثقافات التي منها ما ذاب في بحار التغريب، ومنها ما يذوب ومنها ما هو باق يتحدى عوامل الإفناء كالعربية أمام هذا الصراع فإنه ليس للأديب اليوم من خيار إلا أن ينحاز إلى فئة من الفئتين، أما محاولة التوفيق فهي مسبقاً في كفة الغرب الراجحة.
ومن هنا كثرت القواقع والحفريات الممسوخة التي تحس ترجيع أصوات الرياح التي تخترقها بشكل وتخرج بأشكال مختلفة..
إن الأدب الذي يسمونه تراثياً رغم رداءة بعضه هو في الحقيقة أدب حي؛ لأنه وإن كان نبتة ضئيلة يمتلك جذوراً يستقي بها مادة الحياة.
وعلى العكس من ذلك فإن حياة الشجرة التي اجتثت من تربتها الأصلية إلى تربة أخرى غريبة عنها موقوفة على مدة بقاء الماء في عروقها وأوراقها، والأدب الذي ينتمي إلى المدرسة الاستغرابية هو أدب ميت، أو هو في طريقه إلى هذا المصير البئيس، وذلك لمجرد ما تنتهي مهمته المتمثلة في التبليغ؛ لأن المثقف الواعي لا يحبذ القراءة لصور منقولة، بل يلجأ إلى الأصل ليقرأ الأدب الغربي بلغة غربية.
فالحروف العربية المقحمة في هذا الأدب هي حروف شكلية، وتحف فنية جميلة مجردة عن الحياة لا مناص من توظيفها مؤقتاً، حتى يصل المارد الغربي فيجوس خلال الديار، وقد مهد لذلك وكلاء الغرب عندنا بالدعوة للعامية والإقليمية والتأليف على منوال هذا المنهج التفكيكي.
وقد يخرج هؤلاء بين الفينة والفينة، لإحداث بعض الزوابع الفكرية والثرثرات الأدبية سرعان ما تقوم مكبرات الصوت المستغربة بتفخيمها إلى درجة الثورات التجديدية؛ والمعارك والحروب الأدبية، تارة بمنح الوسام الفلاني للأديب الفلاني؛ لأن عبقريته أوصلته إلى سب عشيرته واللهو بآثارهم وآدابهم، وتارة بإيثار الكاتب الفلاني بالجائزة الفلانية؛ لأنه أحدث بدعة في مسار الأدب والفكر العربيين، حتى أضحت هذه المكرمات دليلاً كافياً على العمالة والردة الفكرية.