فهرس الكتاب

الصفحة 13121 من 27364

الليبراليون العرب هل هم حقاً ليبراليون؟

بقلم: أحمد دعدوش

الليبرالية الجديدة تيار فكري حديث يُشكل امتداداً لليبرالية الكلاسيكية الغربية التي نشأت في كل من إنجلترا وفرنسا إبَّان عصر النهضة، والتي تُعدّ بمثابة منظومة أيديولوجية متكاملة تتناول كافة أشكال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما تمتد لتشمل المناهج العلمية والفكرية وتحدد أدواتها وآلية عملها. وتعود نشأة الليبرالية الجديدة إلى منتصف القرن الميلادي الماضي، كردِّ فعل لإخفاق الليبرالية الكلاسيكية في تجنيب العقل الأوروبي تبعات التطرف العقائدي، والذي استفحل مع بروز الحركات الفاشية والقومية، وحتى الشيوعية التي خرجت كسابقاتها من رحم الفلسفة المادية، وهي المرجعية الأم للعقل الأوروبي الحديث بكافة أطيافه.

ومع تراجع الليبرالية الكلاسيكية التي حُمّلت الكثير من أوزار الحربين العالميتين، بدأت مرحلة جديدة من النقد وإعادة البناء في محاولة لإنقاذ الثقافة الليبرالية الغربية، فظهرت «الكينزية» كتعديل ضروري وعاجل للاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي ليسمح للدولة بالتدخل وإدارة الأزمات، وفي الفلسفة والآداب بدأ المفكرون والنقاد بوضع تصوراتهم المختلفة لمرحلة «ما بعد الحداثة» . وفي السياسة برزت مفاهيم التكتل والأحلاف والاحتواء. أما الميدان العلمي فقد شهد انحساراً لنزعة المركزية الأوروبية المتعالية، وبدأ العلماء يدركون أن معرفتهم بالكون ما زالت أقل بكثير من تحقيق آمال القرن العشرين في الإحاطة بأسراره.

وفي هذا المقال سنقوم بإضاءة بعض النقاط التي توضح الفرق الكبير بين الليبرالية الغربية وصورتها المستوردة في العالم العربي والإسلامي، انطلاقاً من حقيقة رئيسة مفادها أن الليبرالية الغربية كانت قد نشأت في ظل ظروف سياسية واجتماعية خاصة، وأنها ظهرت كردِّ فعل للاضطهاد الكنسي للعلماء من جهة، وللاستبداد السياسي والاقتصادي من قِبَل النبلاء والإقطاعيين الغربيين من جهة أخرى. وعبر تحالف السلطتين الدينية والسياسية الإقطاعية تمكن رجال الدين المسيحي من فرض سلطانهم على العقلية العلمية الأوروبية، وحرّموا على العلماء والمفكرين الخوض في الكثير من القضايا التي أعطيت صفة القداسة، ومن ذلك الاضطهاد الذي تعرض له الفلكي الإيطالي «غاليليه» لادِّعائه دوران الأرض حول الشمس وليس العكس، وهو الأمر الذي يتناقض مع رأي الكنيسة التي تبنّت نظرية «بطليموس» وألبستها مسوح القداسة.

أما الإقطاعية فقد أخضعت الطبقة العاملة لنظامها الطبقي الجائر، وهو الأمر الذي دفع الطبقة البورجوازية الناشئة للتحالف مع العمال والفلاحين في سبيل التحرر من نير الإقطاع وإحلال الفكر الليبرالي الذي يحقق للفرد حريته وكرامته. وفي المقابل، فإن واقع مجتمعنا الشرقي الإسلامي يكاد يختلف جذرياً عن هذا النموذج الأوروبي، فضلاً عن الفرق الكبير في المنهجين الفكري والسلوكي لدى الليبراليين العرب عما هو متعارف عليه في الليبرالية الغربية، وسنسعى لتوضيح ذلك من خلال المقارنة التالية بين الطرفين:

1 ـ لقد قامت حركة التنوير الأوروبية وفق تسلسل مرحلي تلقائي؛ بدءاً من العلمانية ثم الليبرالية وأخيراً الديمقراطية، بحيث لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى أو تجاوز اللاحقة منها السابقة، فكانت بداية النهضة الأوروبية مع حركة العلمنة التي تعني تحرر العقل العلمي من سلطان الكنيسة الجائر، وإعفاءه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، ونادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيداً عن المسلّمات الأولية المتناقضة في النصوص الدينية، ولم يكن ذلك يعني التملّص من الإيمان الديني عند معظم العلمانيين، بل كانت حركتهم موجهة نحو تخليص العقل من سلطان الكنيسة لعدم إمكان الجمع بينهما، ومن ثَم عزل الإيمان الغيبي (الميتافيزيقا) عن الواقع التجريبي المحسوس.

أما في الشرق؛ فقد عمد أتباع الليبرالية العربية إلى اختزال المراحل التسلسلية ـ السابق ذكرها ـ من تطور الحركة التنويرية من العلمانية والليبرالية والديمقراطية وبشكل مبتسر؛ إذ ينادي معظم الليبراليين العرب بضرورة التطبيق الفوري والراديكالي للمفهوم الليبرالي الديمقراطي الغربي دون تغيير، وكأنه وصفة سحرية يمكن من خلالها حل معضلات العالم العربي وبشكل فوري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت