فهرس الكتاب

الصفحة 18090 من 27364

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قرأت في بعض المواقع غير الإسلامية عن قصص لمسلمين ارتدوا عن الإسلام، فإذا كانت طريقة الدعوة لغير المسلمين تكون عن طريق إظهار السلوك الإسلامي الحسن وتعريفهم بروح الإسلام.

فكيف تكون الدعوة لمسلم عاش فترة من حياته كمسلم يقرأ القرآن ويقيم شعائر الدين ثم ارتد عن الإسلام؟

** يقول الدكتور مجدي سعيد، المشرف على وحدة الأبحاث والتطوير، بشبكة إسلام أون لاين.نت:

أخي الكريم؛

من الضروري بدايةً عند التعرض لهذه القضية التنبيه والتأكيد على عدة أمور:

أولها ضرورة استحضار طبيعة هذه الرسالة وهذه الدعوة، وأنها رحمة للعالمين، فنحن حين ندعو الناس يحركنا ويتملكنا شعور من الرحمة بهم والشفقة عليهم، وهذا الشعور هو الذي يدفعنا إلى بذل أقصى الجهد حتى نأخذ بأيديهم إلى طريق الله والتزام منهجه.. وهذا الشعور يحكمنا في التعامل مع كل الخلق بلا اختلاف، وقدوتنا في هذا هو صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربه فقال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .

ثاني هذه الأمور، أننا في دعوتنا للناس إنما نأخذ بأسباب الهداية والإصلاح، ونبذل الوسع في التغيير والإرشاد، ونترك النتائج لله سبحانه وتعالى، (وما على الرسول إلا البلاغ) .

وثالثها إدراك صعوبة الحالة التي نواجهها -حين ندعو من كان مسلما ثم ترك دينه- وخصوصيتها، والسبب في ذلك ما تفضلت بالإشارة إليه في سؤالك من أنه"عاش فترة من حياته كمسلم يقرأ القرآن ويقيم شعائر الدين"، ثم تحول عن ذلك وتركه؛ وهذا يختلف بالتأكيد عن دعوة غيره من الناس سواء المسلم غير الملتزم، أو غير المسلم.

أخي الكريم؛

إن تحول إنسان عن دينه ليس بالأمر السهل، وليس قرارا هينا يمكن لإنسان أن يتخذه هكذا دون أسباب يراها -من وجهة نظره- مقنعة، بل ودافعة بقوة نحو هذا القرار؛ ولا يصح أبدا أن نتعامل مع إنسان يمر بهذه الحالة دون محاولة الوقوف على أسبابها بشكل واضح ومحدد حتى يمكننا التفكير في طريقة لعلاجها وتحديد الأسلوب الأمثل لدعوته.

وإذا أردنا تحليل الأسباب التي قد تؤدي بإنسان إلى الخروج عن دينه، فيمكن التفريق بين اتجاهين مختلفين ينتجان عن هذا الخروج، لكل منهما أسبابه ودوافعه.. هذا الاتجاهان هما:

-أن يخرج إنسان عن دينه إلى"لا دين"، فلا يعتنق دينا آخر، ولا يتقيد بملة غير التي كان عليها.

-أو يخرج الإنسان من دينه متحولا إلى ديانة أخرى.

* الخروج إلى"اللا دين"، وهو الإلحاد:

غالبا ما يكون الإلحاد نوع من أنواع التمرد على واقع تجربة مر بها الإنسان سلبته خصيصة من خصائص إنسانيته، أو مارست عليه نوعا من القهر والتقييد لم يتقبلها.. فيتمرد محاولا الخروج على سلطان هذا القهر والانخلاع عن ربقة هذا القيد.

وقد يأتي ذلك عن طريق تحول الدين -بفعل العلماء الفاسدين، أو السلطان الظالم الذي يتلبس بالدين ويتخذه ذريعة لتبرير ظلمه- إلى سلطة قهر للإنسان وسجن لحريته.. ويساعد على هذا الفهم الخاطئ ضعف تكوين الشخص وعلمه بدينه.

أو يأتي نتيجة تنشئة دينية غير سليمة تستخدم القهر والإجبار وسيلة لها، وذلك بسبب جهل القائمين على هذه التنشئة في البيت والأسرة أو في المدرسة أو المسجد، ومحاولتهم إجبار هذا الشخص على الطاعة.

فيكون الإلحاد نوعا من التمرد على واقع لا يحقق الصورة المنشودة لدى الشخص ويتصادم مع صورة مثلى يتمناها هو ويرسمها في مخيلته.

والأصل أن الله خلق الإنسان وفي أصل فطرته الإيمان، وأن دور التنشئة أن تربي هذا الإيمان الفطري وتقوي مكانه ودوره في شخصية الإنسان، وأن تهيئ المناخ لأن يقوم الإنسان بالاختيار الحر لما ستكون عليه حياته.. لا أن تجبره على التدين أو الطاعة، فالطاعة لا تأتي قبل الإيمان، وإنما هي من نتائجه؛ فالإنسان إذا آمن بالله أحبه، وإذا أحب الله أطاعه وانقاد لأمره.. فحرية الإرادة والعقل المميز تؤدي إلى حرية الاختيار الذي يترتب عليه أن يكون الإنسان مسئولا عن نتائج اختياره.

* الخروج إلى دين آخر، وقد يكون السبب في ذلك:

-أن يُغلب الإنسان على عقله ومنطقه بسبب ضعف تأسيسه وقلة علمه في دينه، فلا يصمد أمام أية مجادلة من صاحب دين آخر فيتشكك ويتلجلج، فيترك الفطرة السوية المقبولة المحكمة، إلى عقيدة أخرى تواجه كثيرا من علامات الاستفهام عند من لديه عقل ومنطق.

فالإنسان إذا تأمل في القرآن الكريم يجده قد تحدى عقول من لا يؤمنون به مطالبا إياهم بالتفكر والتدبر والنظر، لأن يفهم القرآن جيدا يجده متسقا ومتماشيا مع طبيعة الكون ونواميسه.. وهذا مما تفردت به هذه الرسالة الخاتمة.

-أن يواجه الإنسان إغراء ما يدفعه إلى تغيير دينه، ومحاولة لإشباع بعض الرغبات أو الشهوات لديه، فالمبشرون -مثلا- يستغلون ظروف بعض المجتمعات التي قد تعاني من ظروف اقتصادية أو اجتماعية صعبة، ويعملون على مساعدة أهلها في التغلب على ما يقاسونه داعين إياهم إلى التحول إلى دينهم.. وتحت وطأة الحاجة قد يستجيب البعض بالفعل إلى هذه الدعوة، وقد يظهر آخرون التحول حتى يحصلوا على المكاسب المعروضة ويبطنون التمسك بدينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت