قد يستغرب الكثير من القراء هذا العنوان، وسيتساءلون حتما هل يفصل الإسلام الدين عن الدولة؟ كما هو تعريف العلمانية المختزل من قبل الإسلاميين، وسيرددون في أنفسهم إن الدين الإسلامي (وكأنه دين محمدي فقط لا دين الأنبياء جميعا) جمع بين الدنيا والآخرة، أي بين الدنيا والسياسة والآخرة وأحكام الدين.
نقول للقارئ الكريم قبل أن نخوض معه في تحليل العلمانية في الإسلام يجب عليه أن يعرف ماذا تعني العلمانية في مفهومها الشامل لا المختزل من قبل المعارضين لمنهجها الفكري من الإسلاميين وهم من يهمنا نقض تعريفهم المغلوط المغرض الذي يقول أن العلمانية هي (( فصل الدين عن الدولة ) )بهذا التعريف الساذج؛ لأننا في صدد تعريف العلمانية الإسلامية التي ينفونها عنها بصفتهم حامين الحمى أي حمى الإسلام، وهذا ما يرفضه الإسلام ويرفضونه هم أيضا عند النظر في تأيديهم المنقطع النظير للثورة ضد أسر الإقطاع ورجال الكنيسة ورفضهم الكهنوت الذي للأسف الشديد تلبسه فقهاء الإسلام بعد النكسة التي مني بها الإسلام من أثر إلغاء حكم الجماعة على يد معاوية، إن نهوض مفهوم العلمانية إبان الصحوة التنويرية في أوربا هو الأمر الذي يمثل الإسلام في طرحه العام تجاه التحرر من القيود والتسلط في الفهم والقراءة وامتلاك الحقيقة المطلقة، وهو ذاته الأمر الذي يحاربه من ينتمون للإسلاميين خشية سلبهم السلطة والحاكمية التي أرجعت العالم الإسلامي إلى عصور الظلمات التي كانت تعيش فيها أوربا قبل اكتشافها لروح الإسلام العملي بين البشر المتمثل في ما اصطلح عليه اليوم بالعلمانية دون التطبيق لروح الإسلام الخلقي بين العبد وربه، وهو اصطلاح منقوص من الناحية التعريفية حيث أن العلمانية هي مزيج من تطبيق روح الإسلام العملي والخلقي لا الإنفراد بإحداهم كما هو الحال في الغرب اليوم.
تعرف العلمانية كما قلنا من قبل عند الإسلاميين بأنها فصل الدين عن الدولة، وهذا هو التعريف المغرض، أما تعريفها الذي يبين شمولها يقول: (( مفهوم سياسي اجتماعي نشأ إبان عصور التنوير والنهضة في أوروبا.عارض ظاهرة سيطرة الكنيسة على الدولة وهيمنتها على المجتمع وتنظيمها على أساس الانتماءات الدينية والطائفية ورأى أن من شأن الدين أن يعنى بتنظيم العلاقة بين البشر وربهم ونادى بفصل الدين عن الدولة وبتنظيم العلاقات الاجتماعية على أسس إنسانية تقوم على معاملة الفرد على أنه مواطن ذو حقوق وواجبات وبالتالي إخضاع المؤسسات والحياة السياسية لإرادة البشر وممارستهم لحقوقهم وفق ما يرون وما يحقق مصالحهم وسعادتهم الإنسانية ) ). هذا تعريف العلمانية كما جاء في موسوعة السياسة.
فأنا أسأل أين فصل الدين عن الدولة؟ فقد جاء في تعريفها أنها مفهوم سياسي اجتماعي لا ديني، أي (كيان دولة) عارض سيطرة الكنيسة الحاكمة باسم الرب، أي عارض الظلم والجور والتسلط والاستبداد والاستئثار والاضطهاد، وهذه الصفات يرفضها الإسلام بالنصوص لأهل النصوص وبالعقول لأهل العقول، وللأسف الشديد هذه الصفات التي تعارضها العلمانية هي السائدة في المجتمع الحاكم الإسلامي نتيجة مفهوم التراث الإسلامي لحاكمية السلطان (دولة الإسلام) ، أما الهيمنة أي هيمنة رجال الدين فهي بلا شك واضحة وملموسة في الحياة العامة والخاصة في مجتمعنا العربي والإسلامي ومن يستطيع أن ينكر هذا؟! فما هو بين العبد وربه أصبح بين العبد وربه مرورا بموافقة زبانية الحكام وفقهائهم، وما هو بين العبد والعبد في النظر والاختيار يهيمن عليه من بيده مقاليد الحكم والحديد والنار، أما التنظيم على أساس الانتماءات الدينية والطائفية فهذا بين للجميع فهؤلاء الشيعة والسنة والصوفية والقومية العربية والكردية و...الخ وتاريخنا الإسلامي خير شاهد على مأساة الأقليات الدينية والطائفية.
أما رأي العلمانية وهو رأي الإسلام _ لا دولة الإسلام التي لا وجود له في عهد رسول الله صلى الله عليه _ بلا شك أن تكون العلاقة الدينية بين المرء وربه لا بين العبد والحاكم أو الفقيه وربه، والنصوص القرآنية شاهد على ذلك، ولكن الإسلاميين أبو إلا أن تكون لهم الكلمة الفصل دون غيرهم فيما قال الله حسب فهمهم وتأويلهم أو جمودهم على النصوص من غير نظر ولا تفكير، مستوحين الأحقية في هذا ممن سبقهم في القول تقليدا لا بحثا وتمحيصا، معتبرين من سواهم لا يفقه شيء إلا إذا وافقهم أما المخالف لهم فلا يعتد بقوله، بل الألقاب من الكافر إلى الفاسق مرورا بالمبتدع ستكون من نصيبه التي قد تجرؤ أحد الأتباع أو المقلدين الجهال بتنفيذ فتوى لمقلد جاهل بإهدار دمه، وما ذلك إلا لإرضاء رغبات آلهة الأرض المنصبة في دواوين السلاطين والمساجد والمنابر والإعلام مطبقين في ذلك مفهوم التوحيد الفهمي لكتاب الله تعالى، وبذلك شاركوه فيما انفرد به من الصفات سبحان وتعالى.