د. أبوبكر محمد عثمان*
أعتقد أننا فيما نسميه حوار الحضارات نتجنب الدخول بطريق مباشر أو غير مباشر إلى لب الخلاف!!..
فإذا تحدثنا عن اليهود فهم يعلمون الآية (82) من سورة المائدة (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً للَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) ، والآية (51) من سورة النساء (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا) ، وهم يقولون: (إن أجداد المصريين الحاليين هم الذين سخروا اليهود لبناء الأهرامات وأذلّوهم) .. ولذلك قتلوا آلاف الأسرى في صحراء سيناء في حرب 1967م..
فلا مجال للحوار مع هؤلاء.
أما عن النصارى فهم يعلمون الآية (82) نفسها من سورة المائدة: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوَا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانا وأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) ؛ لذلك أحمد الله كثيرا أن هُزِم اليابانيون الوثنيون في الحرب العالمية الثانية على أيدي النصارى الأوروبيين والأمريكان؛ وقد قال الله تعالى في سورة الروم: (ألم(1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5 ) ) ؛ لذلك يوجد مجال للتعايش حسب الضوابط الشرعية في حدود تضيق، وتتسع حسب تشدد قادتهم، ووعي أفرادهم..
وفي هذا تفصيل مهم:
-هم يعلمون أننا نكفرهم؛ لأنهم إما أنهم يعتقدون أن عيسى بن مريم هو الله؛ قال الله تعالى في الآية (72) من سورة المائدة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ، أو أنهم يعتقدون أنه ابن الله؛ قال تعالى: (وقالت النصارى المسيح ابن الله) ، أو أنهم يعتقدون أن المسيح عيسى عليه السلام ثالث ثلاثة يشكلون الإله؛ قال الله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) .. وهم يكفروننا للسبب نفسه؛ وهو أننا لا نعتقد بألوهية عيسى؛ بل نعتقد ببشريته؛ قال الله تعالى في الآية (75) من سورة المائدة: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ) ..
لقد هزمت الأحداث الأخيرة، والرسولم المسيئة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم ، وإعادة نشرها، بل لبس وزير إيطالي قميصا عليه تلك الرسوم إمعانا في التحدي، والازدراء، والامتهان.. وكذلك تدنيس مقابر المسلمين في الدنمارك، وتدنيس المصحف الشريف في سجون أفغانستان، وأبي غريب في العراق، وجوانتانامو في كوبا، وإلقائه في المراحيض، والتبول عليه، واستعماله بدلا من مناديل الورق لمسح الخرء عن أدبارهم..
هزمت كل هذه الأحداث فكرة حوار الحضارات..
ومن قبل قتل الصرب عشرات الآلاف من المسلمين، ودفنوهم في مقابر جماعية، واغتصبوا عشرين ألف امرأة مسلمة، ولا زال المجرمان - رادوفان كاراديتش، وميلاد يتش - طليقين..
ولا يظن إلا مُغفّل أن الاتحاد الأوروبي، أو الناتو، أو موسكو، أو واشنطن لا يعرفون مكانهما؛ فإنما هي صفقات؛ يباع فيها المسلمون لقاء منافع متبادلة..
نحن لا نتحدث عن الحروب الصليبية، والفظائع في القرون الغابرة!!..
ومن قبل كسب الإسلاميون انتخابات الجزائر فانقض عليهم الجيش بأمر فرنسا وألغى نتائجها..
ولماذا يعترضون على نتائج انتخابات فلسطين - التي أوصلت حركة حماس إلى السلطة -، ويطلبون منها طلبا لا أخلاقيا بالاعتراف بإسرائيل؛ فهذا قرار الأغلبية التي انتخبتهم على برنامجهم بعدم الاعتراف بإسرائيل؟!..
ولِمَ يعترضون على ممارسات السلطات المصرية التي أفقدت الأخوان المسلمين قدرا كبيرا من أصوات الناخبين؟!..
ولماذا يصرّون على أن يدخل السُنَّة في الحكومة العراقية؟!.. طبعا ليس حبا فيهم، وفي الديموقراطية؛ ولكن لتحجيم دور إيران الشيعية في العراق؛ فهم يتمسكون بالديموقراطية فقط إذا كان فيها قهر للحركات التي تؤمن بأن الإسلام هو الحل!!..
ومن هنا أُدين قتل الشرطة للمتظاهرين ضد الرسوم، وهي تتحمل وزر القتل العمد أمام الله، وفي الوقت نفسه لن يرضى عنهم ناشرو الرسوم..
أما قول تلك الحكومات: (إن المتظاهرين يستغلون الأحداث لأغراض سياسية) ؛ فهل يجب على الأحزاب السياسية أن تبارك تلك الرسوم؛ حتى لا تتهم باستغلال الدين؟!.. ثم هذا اتهام للنيات، ويدل على الجهل الفاضح بالدين؛ فالنيات لا يعلمها إلا الله.
أما تفجيرات 11 سبتمبر فقد اتخذتها أمريكا ذريعة لغزو أفغانستان، والعراق، وللاستيلاء على النفط، وقهر المسلمين؛ بادعاء نشر الديموقراطية.. ولقد افتضح أمرهم في أول انتخابات في مصر، وفلسطين، ومن قبل في الجزائر كما أوضحنا..