متى تستعيد الأمة مناعتها الذاتية؟!
صلاح حسن رشيد
طوال تاريخ الإسلام المجيد كانت طوائف المجتمع المختلفة مترابطة فيما بينها باحثة عن تحقيق النهضة من خلال المقومات الذاتية وبالاعتماد على تراثنا ناصع البياض وليس الارتماء في أحضان الشرق والغرب واستيراد بضاعات ثقافية واقتصادية ماتت بين ذويها وتخلى عنها أصحابها بعدما عرفوا تفاهتها وأكاذيبها، لكن البعض من بني قومنا لا يحلو لهم الحديث إلا بضرورة اللحاق بالآخر عبر تقليد مذاهبه الثقافية والفكرية ونقلها بحذافيرها إلى البيئة العربية الإسلامية، ناهيك عن تطبيق التجربة الغربية الاقتصادية كما هي، بدلًا من البحث عن الذات وإثبات عراقة وأصالة حضارتنا الإسلامية التي تحوي عيون النظريات الفلسفية والثقافية والاقتصادية.
ترى لماذا يلجأ التغريبيون والعلمانيون العرب إلى مثل هذه التيارات الفاسدة والترويج إليها على أنها أحدث منجزات العقل البشري المتقدم، بينما أثبت الواقع عكس ذلك؟! ومتى تستعيد الأمة عافيتها ومناعتها الذاتية بدلًا من استيراد الإيدز الثقافي والاقتصادي الذي أطاح بالنخب المستهجنة؟!
حملة نابليون
في البداية يقول اللواء طلعت مسلم الخبير الاستراتيجي المعروف إن قضية التغريب والتذويب الحضاري حاضرة في العقلية العربية وازداد خطرها أيام الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م، عندما أراد بونابرت تطبيق الحياة الفرنسية على الأرض المصرية عبر أفكاره التي تتناقض مع الإسلام والعادات والتقاليد المعروفة، من هنا استطاع الغرب أن يوجد لنفسه فريقًا على الأرض العربية من المؤمنين بالعلمانية والتغريب الذين يقومون بتلميع نظريات الآخر والترويج لها مهما كانت درجتها من حيث القوة أو الضعف، ولهذا سمعنا طه حسين يشكك في الشعر الجاهلي لخدمة أربابه التغريبيين، وسلامة موسى يطعن في العربية ويدعو إلى العامية بدلًا منها كما سمعنا مؤخرًا عمن يصرح بسقوط سيبويه مثلًا، وأعتقد أن هؤلاء الناس يعملون وفق منظومة وخطة مدروسة لسحب البساط من تحت أقدام ماضينا العريق واستقدام نظريات وأفكار باطلة؛ لهذا يجب التصدي لهم بكل قوة عبر فريق من الباحثين المؤهلين لذلك، والقادرين على إثبات زيفهم وكذب دعاواهم.
أما الدكتور نبيل راغب الناقد الأدبي وعميد معهد التذوق الفني بأكاديمية الفنون سابقًا فيرى أن إشكالية الوافد الأجنبي لن تنتهي من الرقعة العربية مادام هناك من يتغنى بأمجاد الغرب ويتكلم بلسانهم ويحاكي طريقتهم في التفكير والكتابة والفهم والاقتداء، صحيح أن أعداد هؤلاء لا تساوي شيئًا؛ لأنها قليلة جدًا لكنهم يمتلكون أدوات التأثير والإعلام والمناصب الكبرى التي تمكنهم من إيصال أفكارهم بسهولة، على أن الناظر لحال العرب والمسلمين اليوم يحار كثيرًا بسبب تغلغل الأيدي الأجنبية في مقدرات حياتهم، برغم أنهم يمتلكون مؤهلات اقتصادية ضخمة فهناك النفط والزراعة والتجارة والمواد الخام والموقع الاستراتيجي، إلا أنهم يفضلون للأسف خبراء أجانب يتلاعبون في اقتصاداتهم ومشاريعهم وفكرهم.
وهذا ينسحب على الجميع، فهناك خبراء للزراعة والاقتصاد والثقافة والفنون من البلدان الأجنبية حتى وإن لم يوجدوا فهناك من يقتدي بهم من المفكرين العرب الذين يطبقون السياسات الغربية كما هي، متخلين عن قدراتنا الذاتية وأفكارنا الحرة وبضاعتنا المحلية واقتصادنا المهول بلا أي سبب مقنع. والنتيجة أن الإيدز الفكري والثقافي والاقتصادي حدا بالأجنبي للتدخل في شؤوننا الداخلية.
اللوبي الحداثي
ويؤكد الدكتور عبد العزيز حمودة رئيس جامعة مصر الدولية والناقد الكبير هذه الحقائق قائلًا: هناك"لوبي"عربي غربي يسيطر على مقاليد الأمور ثقافيًا واقتصاديًا، يريد ألا نتقدم للأمام وأن نظل كما نحن متأخرين"محلك سر"على أن لهم طرائق في ذلك منها الدعوة بكل قوة لأفكارهم التي لا يقتنعون بها بين أنفسهم لكنهم يروجون لها لأغراض أخرى، وهذا ما أوضحته في كتبي التي أثارت ضجة وهي المرايا المحدبة والمرايا المقعرة وسلطة النص والخروج من التيه، أي أننا نعيش في تيه مظلم على كافة الأصعدة والاتجاهات بسبب سيطرة الحداثيين على الحياة الفكرية وعدم سماحهم لأبناء الأصالة والحضارة العربية الإسلامية أن يطلوا برؤوسهم ويعبروا عن ذواتهم على الساحة، فهناك هجمة غربية لوأد أية صحوة ثقافية تنهل من الذات ومن الماضي، ولذا فإن أغلب جوائزهم لا يفوز بها إلا الحداثيون لكي يصرفوا الأنظار عن الماضي برمته.
وهي نفس الوجهة التي يراها الدكتور جلال أمين أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بقوله: إن عوامل إثبات الذات عربيًا وإسلاميًا يتم محاربتها والتضييق عليها وخنقها قبل ولادتها فكريًا وسياسيًا واقتصاديًا. فما نراه من تبعية ذليلة وتطبيق أعمى لسياسات الآخر في بيئتنا برغم اختلاف الظروف والأحوال ينبئ عن إيدز تم حقنه في الجسد العربي والإسلامي لكي يفقد مناعته الذاتية ويصير لا حول ولا قوة له.