فهرس الكتاب
إعداد
د. مازن بن صلاح مطبقاني
الأستاذ المشارك بعمادة البحث العلمي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم:
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فقد وقف طالب عربي مسلم يتحدث عن الأسرة في بلده أمام طلاب مدرسة ثانوية في الولايات المتحدة الأمريكية قائلاً:"وصلني اليوم خبر من بلادي أن أبي باع إحدى أخواتي"، وكان يقصد أن أخته خطبت ووافق الأب. وكان في هذا ينتقد نظام الأسرة في بلاده ويميل إلى أسلوب الغربيين والأمريكيين في الزواج واختيار الزوجة. ولكن مثل هذا الطالب قد يقضي سنوات وسنوات في الغرب ثم يعود وهو يرى أن نظام الإسلام في الأسرة لا يرقى إلى ما وصل إليه الغرب في نظام أسرته.
وهناك من الطلاب العرب المسلمين من يعيشون في الغرب بوعي وإدراك فيطلعون عن قرب على حياة الأسرة ونظامها ويقرؤون ما كتبه حكماء وفلاسفة الغرب فيدركون أن الحضارة المعاصرة قد خطت خطوات كبيرة في مجال المادة والمدنية وعمرت الأرض عمارة لم تصل إليها حضارة أو مدنية سابقة. ولكنها قدمت الجانب المادي على الجانب الروحاني النفسي. حتى ظهر من عقلاء الغرب من كتب كثيراً في التحذير من هذا الأمر.
وقد تأثرت الحياة الاجتماعية في الغرب وكان من أشدها تأثراً الأسرة في الغرب التي أخذت في التفكك حتى إنها تكاد تندثر في زمننا هذا، بل إن مصطلح الأسرة بدأ يتغير، فلم تعد الأسرة هي الأب والأم والأولاد والجد والجدة وغيرهم، ولكن الأسرة هي لقاء بين اثنين من بني البشر حتى أصبحت الأسرة من الممكن أن تتكون من رجل ورجل، أوامرأة وامرأة. أما الأولاد فيمكن إضافتهم بالتبني
وفي هذا البحث الموجز نتناول في المبحث الأول جذور نظرة الغرب إلى المرأة وكيف تطورت إلى الوضع الحالي من استهانة بها وبكرامتها، وفي المبحث الثاني بعنوان الأسرة في الغرب تكونها وتفككها حيث يتناول البحث جوانب من نظام الأسرة في الغرب من حيث تكوين هذه الأسرة ومدى قوة أو ضعف العلاقات بين أفرادها، وارتفاع نسبة الطلاق ومكانة الأب والأم في حياتها، نزن كل ذلك بميزان الإسلام. ونؤكد على هذا الميزان لأن الإسلام جاء مهيمناً على ما قبله من الأديان، وأنه الدين الذي ارتضاه الله عز وجل للبشرية. نسأل الله عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علماً والحمد لله رب العالمين.
المبحث الأول
وضع المرأة في المجتمع الغربي
تعود جذور النظرة الغربية للمرأة إلى التراث اليوناني والتوراتي الإنجيلي الذي أعطى المرأة مكانة تتسم بالاحتقار والتقليل من شأنها. ولو بدأنا بالتراث اليوناني فإنه يذكر أن المرأة خلقها أحد آلهتهم (والعياذ بالله) ومعها صندوق مليء بكل أنواع البؤس والشرور. وتستمر الأسطورة بأن الصندوق قد فتح وانتشرت منه كل أنواع الرذائل والأحزان، وبالرغم من أن الاسم الذي أعطي للمرأة كان في الأصل يعني"التي تعطي بلا حدود"ويعني"التي تعطي كل أنواع الشرور" (1)
وجاءت اليهودية والنصرانية لتضع المرأة في موضع لا تحسد عليه فهذا كتابهم المقدس يذكر قصة خروج آدم وحواء من الجنة بأن ينسب إليها الخضوع للإغواء فتجعل الرجل يتحمل الخطيئة الأصلية التي أصبح يشترك فيها البشر جميعاً، ويرى وحيد الدين خان أن هذه القصة التي تتهم حواء بالأكل من الشجرة المحرمة لم تقتصر على اليهود والنصارى بل انتقلت إلى جميع الأمم. والقرآن وحده الذي صحح هذه المفاهيم حينما نسب الخطيئة لآدم وحواء على السواء فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ((2) مما يعني أن كلاهما تعرض لإغواء الشيطان وكلاهما يتحمل الخطيئة، وفي ذلك يقول القرطبي في تفسيره"أي صرفهما عمّا كانا عليه من الطاعة إلى المعصية" (3)
أما عن العلاقة بين الرجل والمرأة في التراث اليهودي والنصراني فإن الكتاب المقدس ذكر أموراً منها أن الله ( والعياذ بالله) خاطب المرأة بأنه جعل العداوة بينها وبين الرجل وبين نسلها ونسل الرجل وسأشج رأسك وستجرح المرأة عقب الرجل، وفي فقرة أخرى توعد المرأة بمضاعفة أحزانها وحملها وأنها ستنجب أطفالها في الحزن، وستكون لها الرغبة في زوجها الذي سيحكمها.
وإن كانت النصرانية قد وضعت العلاقة الجنسية في موضع الاحتقار بينما أعلت من شأن الرهبانية التي تعني أن الشخص يستطيع أن يستغني بالروح عن مطالب الجسد ويكون فوق هذه المطالب وكأن الجنس في نظرهم يقابل التدين والإيمان، لذلك حرمت بعض الطوائف المسيحية على رجال الدين فيها الزواج.