فهرس الكتاب

الصفحة 26274 من 27364

محمد جلال القصاص

ليست المقاومة العراقية ولا الأفغانية ولا الشيشانية هي الأولى التي يقوم بها شعب ضد من يتعدى على أرضه وعرضه ويدنس مقدساته ؛ بل هي أمر فطري فطر الله عليه الناس من يوم كانوا ، وما استكان شعب إلا حين يؤمن بمعتقدات الغير كما حدث مع الفتوحات الإسلامية . فالمقاومة إذا أمر فطري ، بَيّدَ أنها تُوجه ... يَدٌ تزرعها وأخرى تحصدها .

وفي مقالي هذا ـ بحول الله وقوته ـ أحاول من خلال تتبع بعض حركات المقاومة في التاريخ وكيف كان مصيرها استخلاص بعض الدروس التي ربما يستفيد منها أهل الجهاد في العراق . وأبدأ ـ مستعينا بالله ـ بهذا النموذج .

نهضة محمد علي باشا في مصر .

قبل مجيء الحملة الفرنسية على مصر ( 1798م ـ 1801م ) لم تكن الأمة متخلفة غافلة كما يُدندن بعض أدعياء الثقافة ، ولم تكن الأمة فقيرة إلى كل العوامل التي تساعدها على النهوض الذاتي لذا كان لابد من الاتصال بالغير والأخذ عنه كما يدعي جهلة المثقفين . أبدا لم يكن الأمر كذلك . فقد كانت هناك العديد من دعوات اليقظة التي كانت في الأمة قبل مجيء الحملات ( الاستعمارية ) الأوروبية عليها ، منها ـ على سبيل المثال ـ الدعوة السلفية على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد ، والجهود التي قام بها عبد القادر عمر البغدادي صاحب خزانة الأدب في العراق ، ومحمد عبد الرزاق الحسيني المشهور بـ ( المرتضى الزبيدي ) صاحب تاج العروس ، وكذا الإمام الشوكاني في اليمن ، وحسن إبراهيم الجبرتي ( الجبرتي الكبير ) في مصر والذي كانت له جهود ومخترعات في مجال الفلك والرياضيات وهو جد الجبرتي صاحب التاريخ [1] ؛ وما يعنيني هو أنه كانت هناك بوادر صحوة فكرية تسير في الاتجاه الصحيح قبل مجيء الحملة الفرنسية على مصر ، وكذا نمت صحوة في مجال آخر حين قدمت الحملة الفرنسية ، إذ أنه بعد أن هَزم الفرنسيون النظام المملوكي الحاكم في مصر ، قامت مقاومة شعبية تحت قيادة علماء الدين وفي إطار الجهاد الشرعي ضد العدو الكافر ، فقد استطاع ( الشعب المصري تحت قيادة علماء الدين أن يمارس جهادا مسلحا ناجحا ضد الحملة الفرنسية( ا1798 ـ 1801 م ) وضد حملة فريزر الإنجليزية ( 1807م ) .... وفي مجال التصنيع كان ثُوَّار القاهرة في الثورة الثانية على الحملة الفرنسية كانوا قد استطاعوا تصنيع البارود والمدافع ) [2] . فقد كان رفضا للمحتل كما هو الحاصل اليوم في العراق ، وكانت صحوة يقودها علماء الدين .. تنطلق من الأزهر وترفع شعار الجهاد ضد المحتل الكافر .

وماذا حدث لهذه الصحوة وتلك ؟

أحاطت بالفرنسيس المشاكل فجعلتهم يرحلون عن مصر . ولكنهم خلَّفوا ورائهم محمد علي باشا ، وسواء أكانوا هم الذين جاؤوا به عن طريق التوسط عند الخليفة العثماني كما تحكي بعض المصادر [3] أم أنهم فقط وقفوا بجواره وشجعوه بمدِّهِ بالخبراء ( كسُليمان باشا الفرنساوي مثلا ) الذين أسسوا له الأسطول وبنوا الجيش من جديد وأنشئوا له القناطر الخيرية لتنظيم الريّ في الدلتا لتكتمل صورة ( النهضة ) في عين الفلاحين من أبناء الشعب ، فهذا لا يعنيني هنا ، وإنما فقط يعنيني أن الصحوة التي كانت في الأمة يومها قَطف ثمارها العدو بأيدي ( أبناء ) هذه الأمة وانقلب على الشجرة فقطع فروعها وأنهك جذرها فلم يبقى منها إلا قليل توارى في الأرض ؛ وأصبحت طاقات الأمة المصرية الناهضة حربا على الخلافة الإسلامية وعلى الدعوة السلفية في الجزيرة العربية ، واستخدمت الموارد البشرية والمادية لتحيق حلم يرتبط بشخص محمد علي ويمهد لقدوم العدو مرة ثانية ، وحين كاد عمرو أن يشب عن الطوق ... حين أراد محمد علي أن يتطاول على أسياده الأوربيين ويهاجم إحدى الدول الصليبية ( اليونان ) تجمع له الأوربيون في معركة ( نافرين ) وأرجعوه ، وفي مرحلة أخرى ـ في عهد الخديوي إسماعيل ـ زجوا بجيش (الصحوة ) في غابات أفريقيا ـ الصومال وأثيوبيا ـ حتى ذهبت قواه وعاد هيكلا لا يقوى إلا على قمع المعترضين من أبناء الشعب [4] .إلى هذا الحد انتهت الصحوة المصرية ضد العدو الصليبي الفرنسي يومها ؟

ولكن ما هو السبب الحقيقي ؟

أجيب إن شاء الله بعد عرض هذا النموذج:

في العقدين الخامس والسادس من القرن الميلادي المنصرم كانت الأمة الإسلامية تعيش حالة من الغليان على الغرب كلِه ، وقامت حركات مسلحة تقاتل عن أرضها ودينها وحركات دعوية تريد إعادة الخلافة وتوحيد الكلمة وحركات سياسية مُغرضة ومخلصة تسير في نفس الاتجاه ؛ وكانت الصبغة الغالبة هي الصبغة الدينية ، والمطالب الأولى هي مطالب شرعية ، كان هذا في مصر ( حركة الإخوان المسلمون وخروج الثورات من الأزهر ) وفي الجزيرة العربية قامت صحوة ـ إن صح التعبير ـ من أجل لمّ الشمل تحت راية التوحيد ، وفي الجزائر ( الثورة الإسلامية ـ المليون شهيد ) وفي ليبيا كان عمر المختار ورفاقه يرفعون راية الجهاد ، ولم تخلو الشام ولا العراق ، والمهم أن الأمة كلها باختلاف شرائحها من عوام ومثقفين كانت ثائرة تريد طرد المحتل وإقامة شرع الله في الجملة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت