جمال سعيد
23 ربيع الثاني 1428هـ الموافق له 10- 5- 2007م
ومن ثم فالثقافة الأمريكية بحكم التاريخ والجغرافيا ليست تراثية مطلقاً، فالدولة ولدت منذ نحو خمسة قرون فقط، وتاريخها بدأ أيضاً مع الكشوفات الجغرافية، ومن ثم فالذهنية الأمريكية تقوم في الأساس على إعادة صياغة الواقع دون النظر إلى الخلفيات التاريخية التي لا تهتم بها العقلية الأمريكية كثيراً.
وكانت منطقة الشرق الأوسط إحدى المحطات الرئيسية في تغيير الواقع وفق الرؤية الأمريكية، وذلك منذ أن طرح الرئيس الأمريكي جورج بوش في عام 2003م عبارته المشهورة"ستون عاماً من التغاضي الغربي عن غياب الديمقراطية في الشرق الأوسط لم يجلب لنا الأمان، لأننا لا نستطيع شراء الاستقرار على حساب الحرية على المدى الطويل"والتي مثلت تغييراً جذرياً في أسلوب تعامل الإدارة الأمريكية مع المنطقة من خلال ما عرف بالشرق الأوسط الجديد، فماذا تم خلال هذه السنوات الأربع، وإلى أي مدى نجح أو فشل هذا المشرع الجديد؟
الشرق الأوسط الجديد:
"من بيروت إلى بغداد فإن الشعب يقوم بخيار الحرية، والشعوب المحتشدة في هذه القاعة عليها القيام بخيار أيضاً".
كانت تلك الكلمات التي دشن بها الرئيس الأمريكي جورج بوش خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20- 9- 2006 في دورتها السنوية الـ61.
كلمات بوش جاءت بينما الحلم الديمقراطي الأمريكي يتلقى ضربات قاصمة في لبنان، وأفغانستان، والعراق، إلى الدرجة التي دفعت روبرت ساتلوف مدير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى القول:"لا أستطيع القول أن الأجندة الأمريكية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ماتت، لكنها في غرفة العناية المركزة".
ولكن ما هي الأسباب والمعوقات التي دفعت بهذا المشروع إلى غرفة العناية المركزة؟
تضافرت حزمة من الأسباب والعوامل لتقف جميعها وراء هذه الانتكاسة الأمريكية التي ترفض واشنطن الاعتراف بها منها: أن واشنطن انحازت لقيمها المادية على حساب تلك القيم المثالية التي تشدقت بها أيام الحرب الباردة مع المعسكر السوفيتي، وهنا نقطة هامة؛ فقراءة المشروع الشرق أوسطي الجديد يجب قراءته في سياق عام يضع بجانبه أفول نجم الشيوعية السوفيتية، وتجذر قيم ومصطلحات العولمة، وتضخم دور الشركات المتعددة الجنسيات، إضافة إلى صعود نجم الإسلام السياسي.
فوفقاً للرؤية الأمريكية كان الشرق الأوسط الجديد الذي بشر به بوش في 2003م يتطلب إعادة صياغة أنظمة الحكم في تلك الدول، بحيث تفرز أنظمة جديدة تحظى بشعبية مقبولة لدى الناس، وفي نفس الوقت تتوافق مع قيم العلمنة الغربية، وكانت الآلية الوحيدة لهذه الرؤية عبر صناديق الانتخابات، وهو الأمر الذي حقق نجاحاً بعض الشيء في النموذج التركي الذي صعد بحزب العدالة والتنمية إلى سدة السلطة.
ولكن رياح الديمقراطية لم تأت بما تشتهيه السفن الأمريكية، ففي أعقاب النجاح غير المسبوق لجماعة الإخوان المسلمين في مصر في الوصول إلى 88 مقعداً في مجلس الشعب المصري، وقبلها فوز حماس بالأغلبية في الانتخابات الفلسطينية؛ لتعيد خلط الأوراق الأمريكية من جديد.
فالقيم التي تتبناها الحركات الإسلامية تتعارض بشكل أساسي مع الأماني الأمريكية في إعادة هيكلة السوق والأفكار والثقافات الشرق الأوسطية الجديدة، ومن ثم فقد كان لزاماً على صانع القرار الأمريكي التخلي هنا عن مثالية الديمقراطية، والقبول بأخف الضررين، فوجود أنظمة غير منتخبة ديمقراطياً، وغير مقبولة شعبياً؛ أفضل كثيراً من المخاطرة بدعم قيم الحرية والمساواة التي من شأنها الذهاب بالمكتسبات المادية التي يحتفظ بها صانع القرار الأمريكي في المنطقة.
صحيفة الديلي تليجراف في عددها الصادر بتاريخ 16 فبراير 2006 تلقي ضوءاً على هذا الأمر قائلة في افتتاحيتها: إن"انتخاب حكومة إسلامية ديمقراطية في الأراضي المحتلة كان أمراً مثيراً للغاية، تصوروا تأثير حدوث الشيء نفسه في مصر"، وتضيف الصحيفة: أن"مخاطر الديمقراطية"أضحت أكثر وضوحاً عندما تغلبت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على حركة فتح في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي أجريت الشهر الماضي، ولذا ترى الديلي تليجراف أنه"لم يكن من المفاجئ أن يصدر الرئيس المصري مرسوماً رئاسياً الشهر الماضي يقضي بتأجيل انتخابات المجالس المحلية لمدة عامين، وهو القرار الذي صدق عليه البرلمان المصري".