فهرس الكتاب

الصفحة 13835 من 27364

التقدّم لاستيعاب التحوّلات الجذريّة القائمة

إبراهيم غرايبة 15/6/1428

ثمة وضوح في الأبعاد والتحولات الاقتصادية والسياسية (إلى حد ما) ، والمتشكلة حول الموارد الجديدة أو اقتصاد المعرفة القائم على الحوسبة والاتصالات والشبكية والعولمة، ولكن النظام الاجتماعي والثقافي المفترض تشكله مازال يخضع للجدل والشك والفوضى، وإن كان ثمة سؤال: ما الحالة الاجتماعية المطلوبة والممكنة لاستيعاب هذه التحولات؟ وما أهمية هذا النظام الاجتماعي والثقافي؟ أهو حتمي أم يمكن تشكيله وفق المطلوب والمرغوب فيه؟ وما المختلف فيه عن المراحل السابقة؟

خريطة التقدم الاجتماعي والثقافي

تتشكل الأنظمة الاجتماعية والثقافية في متوالية معقدة من التفاعلات بين الناس والمكان يمكن اختزالها بالمسار التالي:

تقنية وموارد ـ نظام اقتصادي وسياسي ـ نظام اجتماعي وثقافي ـ تقنية

فالإنسان ينشئ ويبدع وفق حاجاته وتحديات البيئة المحيطة أدوات الإنتاج والحماية، وتتشكل حول هذه التقنيات والأدوات أنظمة اقتصادية وسياسية، فتنشأ المجتمعات والدول والعلاقات والطبقات والحروب والصراعات والتنافس والتعاون، وتتشكل حول هذه الأنظمة الاقتصادية والسياسية منظومات اجتماعية وثقافية تقوم على صيانة وتنظيم الإنجازات البشرية وتحقيق العدل والمصالح والقيم والأعراف والتقاليد والتشريعات المنظمة لحياة الناس وتطلعاتهم، وهذه المنظومة الاجتماعية والثقافية تعيد تطوير وإنتاج تقنيات وأدوات الإنتاج وفق الأفكار والقيم الجديدة، فيكون التقدم.

عندما بدأ الإنسان حياته معتمداً على الصيد وجمع الثمار تكونت مجتمعات وأنظمة الصيد، وهي غالبا مجتمعات عائلية صغيرة تتمركز حول حماية نفسها وتأمين البقاء والاحتياجات الأساسية، فكانت العلاقات الاجتماعية والثقافية قائمة على تطوير أدوات الصيد وتنظيم الإقامة وفق هذا المورد، فكان التقدم باتجاه تدجين الحيوانات وتربيتها.

ونشأت المجتمعات الرعوية، وتشكل حولها نظام اقتصادي قائم على الممتلكات، وتحولت اتجاهات العلاقات والإقامة والتحرك بما يلائم تنظيم وتنمية هذه الممتلكات والموارد وحمايتها، فتشكلت المجتمعات الرعوية التي يقودها الأكثر قوة وشجاعة وامتلاكاً للإبل والبقر والغنم، ولأجل ذلك تجمع الناس في قبائل لحماية وتنظيم أنفسهم وزيادة مواردهم، وتشكل نظام سياسي يقوده الفرسان والملاكون، ويستتبع آخرين من الرعاة والحرفيين والخدم والمهزومين، وكانت الشجاعة والكرم هي رمز الأرستقراطية في هذه المجتمعات؛ فهي الثقافة الأكثر ملاءمة لقيادة القبائل وتفوقها وترسيخ تقاليد وأعراف تحمي هذه المجتمعات في حراكها الدائم في البوادي والمراعي؛ لأنه بدون قيم الشجاعة والكرم لا مجال للتنافس الاجتماعي والتقدم وتبادل المنافع والخدمات لهذه الجماعات المتنقلة في بيئة قاسية متقلبة.

وكانت التجارة والقوافل التجارية نظاماً تقنياً واقتصادياً يطور التبادل وتنظيم الفوائض والموارد، فنشأت المدن والمراكز الحضرية واللوجستية، والفعل الحضاري القائم على تنظيم هذه الموارد، المدن والإيلاف، والحماية والطرق والممرات والنجوم والأفلاك والرحيل والتبادل الثقافي والتجاري والاكتشاف.

ربما تكون الزراعة هي أهم محصلة لتفاعل الإنسان وإبداعه الحضاري، فهي تلخص استيعاب مسار الجوع والخوف أو الإنتاج والحماية في تقنية أكثر ثباتاً ورسوخاً ومواجهة للمجاعة والسلب والفوضى، فبدأت بها المدن والمراكز الحضرية، والمجتمعات وضرورات الكتابة والتعليم، وتشكل الأنظمة السياسية والتشريعية والثقافية، والتجارة والتقنيات، وبدأت بها المسيرة التي نعرفها اليوم أو نحيط بها للبشرية والتي تعود تقريباً إلى حوالي (10 - 12) ألف عام، وظلت الزراعة هي المورد الأساسي للبشرية، والذي تشكلت حوله الدول والحضارات حتى القرن السابع عشر الميلادي عندما أنشأت الآلة البخارية نظاماً اقتصادياً جديداً حول مسار البشرية ومواردها، وحول الثورة الصناعية قامت الثورات السياسية والأنظمة الجمهورية، مثل الثورة الفرنسية (1789) والثورة الأمريكية (1776) والديموقراطيات والدول والمؤسسات الحديثة والمدن العملاقة.

وهكذا فإن التقدم يمثل مساراً دائرياً جدلياً ومتواصلاً من استيعاب المنجزات المتراكمة وإبداع موارد وتقنيات ومنجزات جديدة تتحول مرة أخرى إلى تراكم يُعاد استيعابه:

تراكم ــ استيعاب ــ إبداع ــ تراكم.

ويكون التقدم الاجتماعي والثقافي الممكن تعريفه ببساطة الاستجابة الملائمة والصحيحة مع التقنية والموارد هو الوعاء الحقيقي للتقدم وتنظيمه وتوجيهه وحمايته؛ فهو الذي ينظم مواصلة التقدم، وهو الذي يضمن توجيهه نحو الخير والفضيلة والسلام؛ لأن التقنية والموارد بذاتها منفصلة عن استخدامها، فالطاقة النووية مثلا يمكن أن تدمر البشرية والبيئة، أو تكون أداة للاحتلال والتهديد والردع والهيمنة، ويمكن أن تكون -وهذا ما لم يحصل بسبب غياب التقدم الاجتماعي والثقافي- قاعدة لتحلية مياه البحار وزراعة الصحارى والسهول والجبال وتوفير مصادر هائلة للطاقة تكفي لكل متطلبات الرفاه والتقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت