مصطفى محمد الطحان
نشر الكاتب الصحفي فهمي هويدي في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 4/2/2004 مقالاً هاماً حول هذا الموضوع جاء فيه:
• ليس المستهدف الشرق الأوسط فحسب، ولكنه العالم الإسلامي كله، والحديث الأمريكي المتواتر عن تغييرات مرجوة في خرائط المنطقة يبدو أنه كان أول الكلام وليس آخره، وهذا ليس استنتاجاً ولا هو استسلام لمنطق المؤامرة التي يصر بعض الأبرياء على نفي وجودها، ولكنه قراءة لأحدث الأخبار الآتية من العاصمة التركية أنقرة، ذلك أن صحيفة (يني شفق) نشرت في 30/1/2004 خبراً مفاده أن الرئيس الأمريكي جورج بوش عرض على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال استقباله في البيت الأبيض يوم 28/1/2004 معالم المشروع الأمريكي الجديد لـ (الشرق الأوسط الكبير) ، الذي يمتد من المغرب حتى إندونيسيا، مروراً بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز.
• حسب الصحيفة فإن المشروع طبقاً لما عرضه الرئيس الأمريكي، جعل من تركيا عموداً فقرياً، حيث تريد واشنطن منها أن تقوم بدور محوري فيه، حيث تتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني، لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وعاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي لكي يتولوا التبشير بنموذج الاعتدال المطبق في بلادهم، وأن هذا النموذج هو الأصلح للتطبيق في العالم الإسلامي، ومن ثم الأجدر بالتعميم لأسباب ثلاثة:
أولها: أنه ملتزم بالعلمانية التي تهمش دور الدين إلى حدّ كبير، بل وتعارض أي دور للدين في الحياة العامة، وهو مطلب تلح عليه واشنطن وتمارس أقصى ما تملك من ضغوط على الدول الإسلامية للاقتراب منه أو الالتزام به.
السبب الثاني: أن تركيا تعتبر نفسها جزءاً من الغرب، وموالاتها للولايات المتحدة ثابتة ولا شبهة فيها، وبالتالي فهي تعد جزءاً من العائلة الغربية، وتحتفظ مع العالم الإسلامي بعلاقات شكلية.
السبب الثالث: أن تركيا لها علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، الأمر الذي يلقي ترحيباً وتشجيعاً كبيرين من جانب واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي.
لهذه الاعتبارات فإن تركيا تعد من وجهة النظر الأمريكية الحليف النموذجي الذي ترشحه لكي يؤدي الدور الرائد في مشروعها ليس فقط لترويض المنطقة، ولكن أيضاً لتقديم نموذج الإسلام الذي تتوافر فيه شروط الاعتدال كما تراها واشنطن (1) .
تحول في العلاقات التركية - الأمريكية
وإذا كانت العلاقات الأمريكية - التركية علاقات متميزة خلال عقود من الزمن.. إلا أنها كانت تنطلق من العسكر.. فالمسئول الأمريكي عندما كان يزور أنقرة على سبيل المثال.. كان يلتقي برئيس الأركان التركي، وفي اللقاء يتم التفاهم على كل النقاط التي تهم السياسات المشتركة التركية
الأمريكية، وتبقى زيارة رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء من باب العلاقات العامة والبروتوكول الواجب لا أكثر.
وأمريكا اليوم غير أمريكا الأمس.
أمريكان الأمس.. كان يهمها من تركيا أن تكون قوة ضاربة في مواجهة الأصولية الإسلامية والشيوعية.. وأن تسمح لها بإقامة قواعد عسكرية في جميع أرجاء البلاد.. وأن تبقي نصف مليون جندي تركي تحت السلاح.. وأن تقيم مناورات عسكرية دورية أمريكية - تركية إسرائيلية..
أما أمريكا اليوم.. فهي الطامحة إلى إقامة الإمبراطورية الأمريكية.. المنطلقة إلى تمسيح العالم (أي جعله مسيحياً) والتقرب إلى الله بمساعدة إسرائيل.. وإلحاق الهزيمة الكاملة بالعرب والمسلمين.. وإذا كانت أمريكا لا تستطيع القضاء على 1. 5 مليار مسلم في العالم.. فلتحاول إيجاد نماذج إسلامية.. دينها الإسلام وإيمانها العلمانية تساعدها في تحقيق أهدافها.. ووجدت ضالتها في تركيا وباكستان.. وإذا كان النموذج الباكستاني مازال غير مهيأ للتبعية الكاملة فإن النموذج التركي جاهز.. فقد تم التفاوض عليه منذ عام 1997.. أي قبل إسقاط حكومة نجم الدين أربكان..
بحثوا عن النموذج الذي يصلح لهذا الدور وأطلقوه هادراً يكتسح أمامه كل العقبات المحلية.. حتى وصل إلى المحطة الأخيرة ليصبح النموذج المطلوب.
ولكن هل هناك أدلة على هذا الكلام؟
• الدليل الأول هو الخبر الذي نشرته جريدة يني شفق التركية (وهي بالمناسبة الجريدة شبه الرسمية) .. والذي طالب فيه بوش ضيفه أردوغان بأن تصبح تركيا العمود الفقري لنشر فكرة الشرق أوسطية الجديدة في العالم الإسلامي، وأن ترسل تركيا دعاة ووعاظاً إلى منطقة الشرق الأوسط الكبير يروجوا للفكرة.
• والدليل الآخر هو مواقف الحكومة التركية الجديدة التي مازالت في نظر البعض حكومة إسلامية باسلوب جديد.. من هذه المواقف:
1-التفريط بقضية قبرص.. والتي كانت مشكلة قومية تُجمع عليها الأحزاب التركية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. ولكن حكومة أردوغان أعلنت أنها ستقبل التنازل عن أراض إلى الجانب القبرصي اليوناني المعترف به دولياً.. وهو شرط اليونان لإيجاد حلّ للقضية القبرصية.