الحدث-علي بوراوي
فوجئ الرأي العام العربي بقرار الحكومة الموريتانية تطوير علاقاتها مع إسرائيل إلى مستوى تبادل السفراء. وتابع الرأي العام الموريتاني والعربي بنوع من الذهول توقيع كل من وزيري خارجية إسرائيل وموريتانيا اتفاقًا بهذا الخصوص في واشنطن يوم الخميس الماضي إلا أن المتابع للتحوّل الذي عرفته السياسة الخارجية الموريتانية خلال سنة على الأقل، وللنسق الذي سارت عليه خطوات التطبيع الموريتاني مع الكيان الصهيوني خلال نفس الفترة، وللطريقة التي تتعامل بها السلطات الموريتانية مع مثل هذه القضايا، يدرك أنّ هذه الخطوة كانت مقرّرة من قبل، وأنّ الإعداد لها كان يجري منذ فترة.
فقد انطلقت مسيرة التطبيع الموريتاني عام 1995 عندما رعت إسبانيا هذا المسعى، ووقّع وزيرا خارجية إسرائيل ونواكشوط اتفاقية بهذا الخصوص في مدريد. وافتتح الجانبان سنة 1996 مكاتب لرعاية المصالح بينهما.
ولا يخفي المسؤولون الموريتانيون إلحاح الولايات المتحدة عليهم للقيام برفع العلاقات مع الكيان الصهيوني إلى مستوى تبادل السفراء، مقابل وعود محدّدة قدّمتها لهم. ويضيفون أنّ رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، كان قد كتب إلى الرئيس ولد الطايع بعد توقيعه اتفاقية واي بلانتيشن، يدعوه إلى رفع العلاقة مع إسرائيل إلى مستوى السفراء"لخدمة السلام في الشرق الأوسط". لذلك لم تكن زيارة محمد الأكحل وزير الزراعة الموريتاني إلى تل أبيب في سبتمبر الماضي، وقيام وفدين صحيين إسرائيليين بزيارة موريتانيا وإجرائهما"فحوصات طبية وعمليات جراحية في العينين"لعدد من المرضى، ووفود أخرى لم يعلن عنها سوى تمهيد لهذه الخطوة، ولتهيئة الأرضية السياسية لها. وهي خطوة، ستستغلها الولايات المتحدة وإسرائيل لمحاولة إقناع دول عربية أخرى للنسج على منوالها.
وكانت الولايات المتحدة تخطط منذ فترة لتطوير علاقاتها مع موريتانيا، ومزاحمة النفوذ الفرنسي في هذا البلد. بل إنها لجأت إلى دعوة زعيم المعارضة الموريتاني قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، للضغط على ولد الطايع، وإقناعه بخياراتها في المنطقة.
فلم يخف الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع تضايقه من حديث زعيم عربي عرض عليه قبل خمس سنوات تقوية علاقات بلاده مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتخفيف من الاتكال على المستعمر السابق فرنسا في عديد من القضايا. واعتبر الرئيس الموريتاني ذلك إساءة له ولبلده، وتجاوزًا لحدود كان على ذلك الزعيم العربي أن يدركها. ولم يكن حرص الأمريكيين على تطوير علاقاتهم ببلاد شنقيط (الاسم القديم لموريتانيا) على حساب علاقاتها مع باريس خافيا على الساسة الفرنسيين. لذلك حرص الرئيس جاك شيراك على تقديم ما يمكنه من دعم للرئيس ولد الطايع. وفي هذا الإطار كانت زيارته إلى موريتانيا في سبتمبر 1997، ليعطي شهادات كان الرئيس الموريتاني في حاجة إليها وهو يتهيّؤ لخوض انتخابات الرئاسة بعد ثلاثة أشهر فقط، حتّى إن عددًا من الساسة الفرنسيين انتقدوا رئيس بلادهم على هذا السخاء مع بلد لا يمكنه أن يقدّم كثيرًا لفرنسا.
لكن رياح السياسة الدولية جرت بما لا تشتهي باريس في هذا البلد. فقد أصبحت البوصلة الحكومية في نواكشوط تغيّر ولاءها غربًا باتجاه واشنطن بدل باريس. ولعلّ الرئيس الموريتاني وجد بعض ما سبق أن نبّهه إليه الزعيم العربي، فأعطى الضوء الأخضر لحكومته لتنهل من نصائح واشنطن ومقترحاتها. وبعد فترة وجيزة أثمرت هذه العلاقة عن قرار الرئيس الموريتاني بتطوير علاقات بلاده مع إسرائيل إلى مستوى السفارة.
فما هي المصالح التي ستجنيها نواكشوط من هذه الخطوة الخطيرة؟.
يقول مسؤول موريتاني: إنّ بلاده تعاني من مشكلات كثيرة، وفقر مدقع، رغم أنّها تتوفّر لديها ثروات معدنية هائلة. ويضيف:"لقد فتحنا الأبواب مشرعة لإخواننا العرب ليستثمروا ويعملوا في البلاد، ولينقّبوا على الثروات، ولينشئوا شركات لصيد السمك، وينشطوا في مجال الثروة الحيوانية، ولكنهم لم يلتفتوا إلينا أصلا". ويضيف المسؤول: إنّ الدول العربية لم تتضامن مع بلاده حتى وهي تواجه عدوانًا حقيقيًا من السنغال، عندما اندلعت بينهما أزمة بلغت حدّ المواجهة المسلّحة في أبريل 1989، ولم يصل البلاد أي دعم من أي بلد عربي باستثناء العراق. وحتى دول المغرب العربي وفرنسا، التي لموريتانيا مع كلّ منها اتفاقية تعاون عسكري في الدفاع المشترك، لم يتحرّكا لنصرة حكومة نواكشوط ضد اعتداء السنغال عليها. ويخلص المسؤول الموريتاني إلى أنّ الحصيلة هي أنّ موريتانيا تعالج قضاياها والمشكلات التي تعترضها بمفردها دون مساعدة جادة من أي طرف. لذلك جاء التفكير في تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. فالعلاقة معهما ستجذب للبلاد استثمارات حقيقية، وستنطلق رحلة التنقيب عن البترول وغيره من المعادن. وستجد الثروة السمكية الموريتانية الأموال التي تستثمر فيها بالشكل المطلوب. وبذلك يمكن للبلاد أن تحقق في ظل هذا الودّ الجديد، نموًا اقتصاديًا مريحًا (!) .