انحياز لـ"الهوية الثقافية"وليس لـ"العلمانية السياسية"
محمود سلطان*
كان للكاتب الراحل محمد جلال كشك - رحمه الله - في اشتباكه مع دعاة"حقوق المرأة"، في مصر، بعض الإضاءات التي لا نبالغ إن قلنا إنها أصابت كبد الحقيقة، فيما يتعلق بالجدل الدائر بشأن"الحجاب"سواء أكان - هذا الجدل - محتدما في العالم العربي، أو في غيره على نحو ما يحدث الآن في فرنسا.
أوضح كشك أن هناك ثمة علاقة مفترضة"بين الحجاب والدين"أو الانتساب الحضاري، بمعنى أن الحجاب إضافة إلى كونه فريضة دينية هو في واقع الحال رمز أو دلالة على الانتماء للإسلام ولثقافته القرآنية، ربما تكون هذه العلاقة، غير حاضرة في خاطر المحجبات، ولكنها حاضرة حضورا ملتهبا في تفكير المعارضين للحجاب. ومن ثم فإن الهدف ليس تعرية رأس الفتيات ولا تحرير المرأة من الحجاب بل"قطع رأس الإسلام"، على حسب قوله.
والحال أن ما يعطي هذه القراءة صدقها، أن النخب السياسية والثقافية، عادة ما تكون شديدة الوعي بمركزية"الرمز"ودلالاته الحضارية. صحيح أن الممارسات"الرمزية"، قد تبدو لعوام الناس عملا فنيا أو معماريا محضا، أو أنها خالية من أية دلالة سياسية أو ثقافية وهي في واقع الحال، اتجاهات تتقاطع فيها السياسة والثقافة والحضارة بشكل أو بآخر، غير أنها تتخذ من الرمز أو الفن أو من المعمار أدوات للتعبير عن نفسها؛ فلقد رفضت حكومة حزب الوفد المصري العلماني الليبرالي عام 1930، إقامة ضريح سعد زغلول في مسجد، وقررت بدلا من ذلك تشييده على شكل فرعوني وثني!! إذ أراد الوفد أن يخوض معركة سياسية مع دعاة"الجامعة الإسلامية"، ويعبر من خلال هذا المنحى -بناء القبر على الهيئة الفرعونية- عن انحيازه إلى فكرة"الوطنية المصرية"التي تستمد ثقافتها من"الفرعونية". وكانت الأخيرة قد دلفت إلى عقول بعض النخبة المصرية، بعد دخول الإنجليز مصر، وانتشار منهج التعليم"الدنلوبي"** الذي أعاد إحياء الثقافة الفرعونية، في إطار الاشتباك الثقافي بين الاستشراق الفرنسي من جهة، والاستشراق الإنجليزي من جهة أخرى، في محاولة من كليهما لفرض هيمنته الثقافية على المجتمع المصري. وبالمثل فإن رسم"أبي الهول"على أوراق العملة وعلى طوابع البريد -وهو منحى في ظاهره فني أو جمالي- كان يخفي بين تلابيبه دعوة سياسية إلى"الجامعة المصرية"، خاصة أن هذه الخطوة جاءت تقليدا لاتجاه مشابه اتخذه الكماليون بتركيا عقب سقوط الخلافة حين اتخذوا من"الذئب الأبيض"-وهو رمز أسلافهم من الوثنيين- شعارا لهم، وقرروا أن يرسم على طوابع البريد.
ونذكر في هذا الإطار أن قادة ثورة يوليو عام 1952، حظروا على الرجال ارتداء"الطربوش"، إذ اعتبر الانقلابيون -آنذاك- الطربوش رمزا لـ"الملكية"، وانتماء لثقافتها الاجتماعية.