فهرس الكتاب

الصفحة 5084 من 27364

وفي هذا السياق فإنه قد تباينت الآراء بشأن القانون الفرنسي الأخير الذي حظر ارتداء المسلمات للحجاب في مؤسسات الدولة الرسمية، البعض يرى أنه لا يتضمن أي شبهة تحيز ضد المسلمين، على أساس أنه يحظر أيضا الشارات الدينية الأخرى لليهود والمسيحيين. والحال أن هذه الشارات كانت سائدة وبشكل علني في المجتمع الفرنسي منذ صدور قانون عام 1905 الذي فصل الدين عن الدولة. دون أن يثير حفيظة أو ريبة أحد، ولم تعتبر طوال المائة عام المنصرمة، تعديا أو تهديدا للعلمانية الفرنسية، ولم تكن موضوعا للخلاف والجدل بين القوى السياسية المختلفة، ولا استنفرت أجهزة الدولة، ولا سنت التشريعات والقوانين للحد منها. والحال أن هذا التعايش بين هذه الشارات والدولة، كان تعايشا طبيعيا وامتدادا رمزيا للأصول الثقافية للدولة، بيد أنه لم يكن في أصله دليلا -كما يعتقد البعض- على إعلاء العلمانية الفرنسية لقيمتي الاختلاف والحرية الشخصية، وإنما ظاهرة تحتضن ضمنيا، قدرا من التحيز للثقافة اليهودية - المسيحية. باعتبار أن أوروبا بما فيها فرنسا، هي في حقيقة الأمر، سليلة هذه الثقافة. وتكتسب الأخيرة أهميتها في الوعي الجمعي الغربي، من كونها المحدد الأساسي لهوية الغرب وخصوصيته الحضارية وتمايزه الثقافي لا سيما أنه ليس ثمة من يدعي أن العلمانية وفي أكثر صيغها نقاء ومثالية، تعتبر وعاء ثقافيا يعبر عن هوية أمة وانتسابها الحضاري. ولعل ذلك ما يفسر هذا الموقف الفرنسي الرسمي وغير الرسمي المتشدد إزاء الحجاب. فالأخير بما يتضمنه من حمولة رمزية لثقافة وحضارة مغايرة ومناضلة في الوقت ذاته، لا يمثل -كما يدعي بعض الفرنسيين- تهديدا للعلمانية الفرنسية، وإنما تهديدا لـ"ثقافتها"أو بالأحرى لـ"هويتها"، أي أن ظاهرة الحجاب، وضعت الدولة أمام خيارين: إما الانحياز لـ"العلمانية"والتخلي عن"الهوية"وإما العكس. فانحيازها للأولى يفرض عليها أن تتحلى بالحيدة التي أقرها قانون 1905، ولا تهتم لا بالسفور ولا بالحجاب، سواء في المؤسسات التعليمية أو في غيرها. غير أن قانون الحظر -وإن اتشح بمبررات تظهر عكس ما تبطن- كان إعلانا عن انحياز الجمهورية الفرنسية لهويتها، وليس لعلمانيتها كما تذهب حججهم في هذا الإطار.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه ليس ثمة صدقية للادعاءات التي تقول: إن القانون جاء استجابة لرغبة الدولة، في حماية الفتيات من أي شكل من أشكال الإكراه الذي يمكن أن تمارسه الأسرة أو ما يسمى بالتنظيمات الإسلامية المتشددة، إذ إن تصرف الدولة ذاتها يتناقض مع هذا الادعاء، ويأتي في هذا السياق نموذج الطالبتين (ليلى 18 سنة، وألما 16) ، حيث قررت إدارة المدرسة فصلهما لارتدائهما الحجاب، رغم أنهما ينحدران من عائلة يهودية مشهورة في فرنسا وأوروبا عموما وهي عائلة"ليفي"، والدهما"لوران ليفي"محامٍ يهودي معروف في فرنسا بمواقفه اليسارية، وأمهما جزائرية مسيحية غير متدينة، أي أن الحجاب في هذه الحالة كان ممارسة مبرأة من أي شبهة إكراه. وتكتسب حالة"ليلى وألما"أهميتها من أنها كانت حالة غير ملتبسة، وغير قابلة لتعدد القراءات والتأويلات، وأضاءت حقيقة أن موقف المدرسة من الحجاب -ممثلة للدولة- كان موقفا"ثقافيا"لا"علمانيا".

أزمة الحجاب في فرنسا -إذن- كشفت عن أن العلمانية الفرنسية، لا تمارس حضورها كوعاء حاضن للاختلاف والتعدد -أي لا تمارس علمانيتها- إلا من خلال الأطر الثقافية والاجتماعية المهمشة، أو تلك المفرغة من أية مضمون أو بنية"عقائدية - نضالية"، والتي لا تمثل تهديدا لـ"هويتها الثقافية"وليس لـ"علمانيتها السياسية"، مثل الجماعات الداعية إلى"عبادة الشيطان"أو"البوذية"أو"الزواج المثلي"أو الحرية الجنسية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

ومن هنا فإن فرنسا لم تفشل في محاولتها دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، وإنما تعمدت تهميشهم، وحصارهم داخل المناطق والجماعات المهمشة، وحشرهم داخل الأطر المشابهة، غير المؤهلة بطبيعتها للتمدد والتأثير الثقافي، هنا وهنا فقط تظل العلمانية الفرنسية محتفظة بوظيفتها كمظلة يستظل بها التعدد والاختلاف. وهذا شرط أساسي من الشروط التي تستقي منه العلمانية الفرنسية حيويتها؛ ولذا فإن فكرة دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، ربما تكون"واقعا"، ولكن عندما يستسلم المسلمون لثقافة فرنسا وهويتها المسيحية، وليس الانصياع كما يُدعَى لمبادئ العلمانية، فليس ثمة مشكلة في الأخيرة، فهي في روحها وقوانينها تقبل هذا الاندماج، متى تحررت من القيود الحضارية (أو الثقافية) ، وكذلك من أعباء الحفاظ على الجذور المسيحية للهوية الفرنسية.

تابع في الملف:

لماذا لا يجوز وضع تشريع ضد الحجاب؟ (رأي فرنسي)

فتش عن خصوصية العلمانية الفرنسية

الحجاب والقلادة: انهيار العلمانية في مفهومها كراعية للحريات

"أصولية علمانية"فرنسية في وجه الأصولية الإسلامية

الحجاب في فرنسا.. خطابات متعددة

* رئيس تحرير شبكة محيط الإخبارية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت